روايات وقصص

حمايا وحفيدتة حكايات انجى الخطيب

الحاج فؤاد كان باصص لها والدموع ملية عينيه، ندمان على كل لحظة ضيعها من عمرها وهو مستني ولد مالوش وجود، في حين إن البنت دي كانت هي النعمة الحقيقية والبركة اللي فتحت للبيت ده أبواب الخير والجاه.
الدرس تم، والنهاية اتكتبت بحروف من دهب القيمة مش بالنوع، القيمة باللي بنبنيه وبنزرعه في نفوس أولادنا. وليان كبرت وهي عارفة إنها الحفيد الحقيقي لقلب أمها وأبوها، وإن الدنيا كلها بتسقف لها.
مرت السنين وتوالت الأيام بسرعة، وليان كبرت وبقت عروسة زي القمّر، متخرجة بامتياز ومسكت إدارة المؤسسة معايا، كأنها امتداد لروحي وطاقتي. أحمد بقى يبص لها بإنبهار وفخر، ويقولي دايماً أنتِ مش بس ربيتي بنت، أنتِ صنعتي أسطورة يا مريم.
أما الحاج فؤاد، فالعمر أخد منه كتير. بقى راجل عجوز طريح الفراش في بيته، ما بقاش يقدر يتحرك ولا يخرج. وفي ليلة صعبة، صحتنا على تليفون من البيت إن الحاج تعبان جداً وبيناديلنا.
جرينا كلنا على هناك. دخلنا الأوضة، كان النفس بالعافية بيطلع منه، والأجهزة جنبه بتبتكتك بصوت منخفض. أول ما شافنا دخلنا، عينيه اتفتحت بالعافية وبص لليان.. كانت عينيه مليانة توسل وندم سنين طويلة، ندم الراجل اللي ضيّع أحلى مشاعر في حياته عشان خرافات وعادات مالهاش قيمة.
شاور بإيده المرتعشة لليان عشان تقرب. ليان بصتلي للأول، هزيت لها رأسي بالراحة. قربت منه وقعدت على طرف السرير، ومسكت إيده.
الحاج فؤاد حط إيده التانية فوق إيدها، وبصوت مبحوح ومكسور طالع بالعافية قال سامحيني يا بنتي… أنا ضيعت عمري كله وأنا عمي عن الخير اللي ربنا بعتهولي.. أنتِ الحفيد الحقيقي والوحيد اللي شالني ورفع راسي.. أنتِ البركة اللي دخلت بيتنا.
دمعة هربت من عين ليان، ووطت على إيده بوستها وقالت له بقلب أبيض نقي مسامحاك يا جدو.. ربنا يشفيك ويعافيك.
في اللحظة دي بالذات، الحاج فؤاد غمض عينيه وابتسم ابتسامة هادية، كأنه كان مستني الكلمة دي بالذات عشان يرتاح وتسامحه روح العيلة اللي ظلمها يوم ولادتها.
خرجنا من البيت بعد ما هدي وتعب السنين زال من على وشه. وبصيت لبنتي ليان وهي ماشية جنبي، شامخة، قوية، ورافع راسها.. وعرفت إن الرسالة كملت على أكمل وجه. البنت مش مجرد اسم في شهادة ميلاد، البنت هي الحياة، والرحمة، والسند اللي بيغير مجرى التاريخ.
عدت أشهر قليلة على الليلة دي، وتوفى الحاج فؤاد وهادي البال بعد ما أخد المسامحة اللي عاش السنين الأخيرة من عمره يدور عليها. وفي يوم عزاه، البيت كان مليان ناس من كل كبار العائلات والتجار، وكله بيتكلم عن أثره وعيلته.
بس المشهد اللي فارق مع الكل، كان لما طلع الشيخ في آخر العزا يقرأ وصية الحاج فؤاد اللي سابها للمحامي من سنتين فاتوا.
المحامي وقف وسط القاعة، فتح الظرف المفهوم وقرأ بصوت مسموع قدام الكل أنا فؤاد عبد الجواد، بأقر وبكامل قواي العقلية، إن كل ما أملك من أراضي وعقارات وسيولة في البنوك، يُكتب مناصفة بين ابني أحمد، والحفيدة الوحيدة والشرعية ليان أحمد فؤاد.. مش بصفتها ورث، لكن بصفتها الاعتذار الوحيد اللي أقدر أقدمه لبنت غيرت فكري وعلمتني يعني إيه بركة وجاه حقيقي.
الناس كلها اتصدمت والهمس زاد في القاعة. كل العيل اللي كان الحاج فؤاد زاممهم زمان ومستني منهم ولد يشيل اسمه، كانوا قاعدين مطأطئين رءوسهم ومحدش يقدر ينطق كلمة.
أنا بصيت لأحمد،
وأحمد بصلي وابتسم بدموع. ليان ما جرتش على الفلوس ولا اهتمت بالورث، قربت مني، حطت إيدها في إيدي، وبصت للناس بكل كبرياء ووقار وقالت الفلوس دي كلها هتدخل في صندوق وقف خيري باسم جدو الحاج فؤاد، لتعليم وتمكين البنات اللي أهاليهم فاكرينهم عبء.
في اللحظة دي، القصة اتقفلت صح. الدرس ما كانش بس للحاج فؤاد، كان لكل حد فكر في يوم إن الأنثى أقل قيمة.
خرجت أنا وليان وأحمد من الشادق، وشينا مرفوع للسما، والنسيم بيخبط في وشنا. مسكت إيد بنتي، وبصيت في عينيها بثقة وقلت لها كده يا ليان.. حقتتك وحق كل بنت رجع وزيادة.
ابتسمتلي وقالت بفضل قوة أمي.. اللي علمتني أكون أنا الحقيقة.
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button