روايات وقصص

حماتى وولى العرش

اجة، عايزك تشوف حاجة بنفسك.
نادية اندفعت ناحيتهم بسرعة.
يا حاج محمود، استنى… الموضوع كله سوء تفاهم. أحمد متضايق ومكبر الحكاية شوية. إنت عارف الأهالي لما يخلفوا أول طفل بيبقوا حساسين زيادة عن اللزوم.
الحاج محمود حتى مبصلهاش.
بدأ يطلع السلم واحدة واحدة، وإيده على الدرابزين.
أنا كنت واقفة فوق، شايلة ليلى، ومش فاهمة ليه نادية مرعوبة بالشكل ده.
لما الحاج محمود وصل عند باب أوضة ليلى…
وقف.
عينيه اتحركت ببطء جوه الأوضة.
الحيطان السودا.
الستاير السودا.
الأرضية.
وبعدين…
سرير ليلى.
السرير الأبيض اللي بقى مغطى بطبقة تقيلة من الدهان الأسود.
فضل ساكت فترة طويلة.
محدش فينا اتكلم.
لحد ما سأل بهدوء
مين عمل كده؟
نادية ضحكت ضحكة متوترة.
يا حاج محمود، ده مجرد دهان. وبعدين مفيش معنى للورد والحاجات دي لو هنفكر بشكل عملي في الغرض الأساسي من الأوضة.
الحاج محمود لف وشه ناحيتها.
الغرض الأساسي؟
رفعت نادية راسها.
للوريث طبعًا… لما ييجي وقته.
حسيت أحمد بيتحرك جنبي.
قال
قولي له يا ماما اللي قولتيهولي.
نادية بصتله.
قلت إيه؟
نفس الكلام بالحرف.
شدت شفايفها وقالت
مش فاكرة أنا قلت إيه بالظبط.
أحمد رد بمنتهى الهدوء
أنا فاكر.
وبص لجده.
قالت مفيش وريث صغير راجع البيت، يبقى مفيش داعي نفضل عاملين نفسنا إن الأوضة دي حاجة مميزة.
الصمت اللي نزل علينا بعدها كان تقيل بشكل مرعب.
الحاج محمود بصلي.
وبعدين بص ناحية ليلى، اللي كانت نايمة في حضني ومش عارفة أي حاجة عن اللي بيحصل حواليها.
كنت مستنية أشوف الغضب على وشه.
لكن اللي ظهر كان حاجة تانية.
حزن.
حزن حقيقي.
ونادية أول ما شافته، اتوترت أكتر.
قالت بسرعة
أنا عملت كده عشانك إنت! عشان اسم العيلة! أربع أجيال يا حاج محمود… الشركة من الأب للابن. حد لازم
يحافظ على ده. أحمد مكنش ناوي يقول حاجة للناس، فكان لازم أنا أوضح للعيلة إنه هيحاول تاني.
الحاج محمود بص لها بحدة.
إنتِ قولتي للناس كده؟
ردت وكأنها شايفة إن ده شيء طبيعي جدًا
طبعًا. الناس كان لازم تعرف إن استمرار العيلة مضمون.
الحاج محمود دخل الأوضة.
قرب من سرير ليلى.
ومد إصبعين ولمس الدهان الأسود الناشف فوق الخشب.
فضل باصص له ثواني كأنه مش قادر يستوعب إن اللي قدامه حصل فعلًا.
وبعدين قال ببطء
إنتِ دهنتي سرير طفلة رضيعة بالأسود… عشان تحافظي على اللي أنا بنيته؟
نادية سكتت.
رفع عينه وبصلها.
إنتِ قاعدة جنبي بقالك تلاتين سنة. سمعتي بنفسك وأنا بقول للناس مئات المرات إن الشركة دي فضلت عايشة لأن كل جيل لازم يثبت إنه يستحق ثقة الجيل اللي بعده.
ملامح نادية اتغيرت للحظة.
وبعدين قالت بسرعة
أهو بالظبط! الشركة بتروح من الأب للابن. إنت أكتر واحد عارف الشركة دي معناها إيه بالنسبالي. وعشان كده أنا عملت اللي عملته.
الحاج محمود رد
كنت فاكر إني عارف هي معناها إيه بالنسبالك.
نادية قربت منه خطوة.
حد كان لازم يحافظ على إرث العيلة.
فضل باصص لها شوية.
وبعدين سأل سؤال واحد
يحافظ عليه من مين؟
نادية بصت ناحية ليلى.
مقالتش حاجة.
بس هي أصلًا مكنتش محتاجة تقول.
الحاج محمود شاف نظرتها.
وساعتها ملامح وشه اتغيرت.
وقال
نادية… عمر ما كان عندنا قاعدة بتقول إن الشركة للولاد بس.
نادية رمشت كذا مرة.
إيه؟
لا في الشركة… ولا في العيلة. عمر ما كان فيه قانون ولا اتفاق ولا حتى تقليد بيقول إن البنت مينفعش تديرها.
نادية هزت راسها بعدم تصديق.
أمال ليه الأربع أجيال اللي فاتوا كلهم رجالة؟
رد عليها الحاج محمود بمنتهى البساطة
لأن كل واحد فيهم صادف إنه خلف ولد… والولد ده كان عايز يشتغل في الشركة.
وبص ناحية
ليلى.
محدش في تاريخ العيلة كلها قرر إن البنت مينفعش تعمل كده.
وسكت لحظة.
لحد النهارده.
بص لنادية مباشرة.
إنتِ أول واحدة قررتي إن طفلة ملهاش مكان… قبل حتى ما تكبر وتعرف يعني إيه شركة العيلة.
نادية تمتمت
بس أربع أجيال…
قاطَعها
أربع أجيال من الأولاد اللي صادف إنهم كانوا عايزين الشغل. إنتِ اللي حولتي الصدفة دي لقاعدة… لأنك كنتِ عايزة تصدقي إنها قاعدة.
نادية كانت بدأت تفقد هدوءها.
قالت بعصبية
أنا قضيت تلاتين سنة من عمري وأنا بساعد في بناء اسم الشركة دي. وقفت جنبك في كل حفلة، وكل مناسبة، وكل ذكرى سنوية. قابلت العملاء، وحفظت أسماء مراتاتهم وعيالهم. متجيش دلوقتي تقولي إني مش فاهمة إيه اللي بيحافظ على الشركة!
الحاج محمود ضيق عينيه.
وقال جملة خلتها تسكت تمامًا
إنتِ قضيتي تلاتين سنة بتثبتي لكل الناس إن الست ممكن يكون ليها قيمة ومكان في الشركة يا نادية.
وقف قدامها.
وبمجرد ما حفيدتك اتولدت… قررتي إن الباب اللي دخلتي منه لازم يتقفل وراكي.
نادية مقدرتش ترد.
الحاج محمود مشي ناحية الشباك.
وبعدين بص لأحمد.
أحمد… إنت متصلتش بيا عشان توريني أوضة أطفال.
أحمد سكت.
الحاج محمود كمل
إنت عمرك تقريبًا ما طلبت مني أتدخل في مشكلة شخصية ليك بالشكل ده.
وبصله مباشرة.
يبقى قولي الحقيقة. أنا هنا ليه؟
أحمد خد نفس طويل.
ومد إيده مسك إيدي.
وبص ناحية الجاكت الكحلي الصغير اللي كانت نادية جايباه، واللي مكتوب على ضهره
الجيل الخامس.
وقال
أنا من وأنا عندي عشر سنين عارف كل الناس مستنية مني إيه.
نادية بصتله.
أحمد كمل
بابا كان بياخدني المخازن كل صيف. وماما كانت بتحتفظ بأي خبر في الجرايد بيتكلم عن الشركة أو عني. وكل عزومة عائلية تقريبًا كانت في الآخر بتتحول لنفس الكلام…
إمتى أحمد هيمسك الشركة؟

أحمد هو الجيل الخامس.
أحمد هيكمل اسم العيلة.
عين نادية لمعت بالدموع.
وقالت
لأنك كنت عايز كده.
أحمد هز راسه.
فعلًا.
وسكت ثانية.
وده بالظبط السبب اللي يخلي الكلام اللي هقوله دلوقتي مش مجرد تهديد.
ضغط على إيدي.
وبعدين قال
لو معنى إني أبقى الجيل الخامس إني في يوم من الأيام أربي بنتي وأقول لها إن أخوها اللي لسه أصلًا مش موجود أهم منها لمجرد إنه ولد…
بص لجده.
يبقى أنا مش عايز الشركة.
نادية فتحت بؤها بصدمة.
قال أحمد
همشي.
هسيب كل حاجة.
الشركة…
المنصب…
الورث…
كل حاجة.
نادية حطت إيدها على صدرها.
إنت اتجننت؟!
أحمد مغيرش تعبير وشه.
قالت
إنت بتحضر للحظة دي طول عمرك! دي حياتك كلها! وبعدين إنت ممكن تخلف ولد في المستقبل! ليه تضيع كل حاجة دلوقتي؟
بصيتلها.
وساعتها أنا اللي اتكلمت.
قلت
إنتِ سامعة نفسك؟
بصتلي.
قلت
لسه لحد اللحظة دي بتتكلمي عن ولد مش موجود أصلًا… كأنه أهم من البنت اللي نايمة في حضني.
نادية سكتت.
الحاج محمود حط إيده على الحيطة السودا.
وبص لأحمد.
ده فعلًا قرارك؟
قبل ما أحمد يرد، نادية دخلت في الكلام بسرعة.
يا حاج محمود، أرجوك. متاخدش أي قرار يخص الشركة بسبب غلطة واحدة غبية عملتها وأنا متعصبة.
الحاج محمود بص ناحية ليلى.
وبعدين رجع بص لأحمد.
وقال
لأ.
نادية حبست نفسها.
قال
أحمد مش هيمشي من الشركة.
لثانية واحدة بس…
شفت الراحة على وش نادية.
كأنها افتكرت إنها نجت.
لكن الحاج محمود لف وبصلها.
وكمل
إنما فيه شخص تاني هو اللي هيمشي.
الابتسامة الصغيرة اختفت من وشها.
بصتله في ذهول.
الحاج محمود فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
إنتِ قضيتي سنين بتبني لنفسك مكان في الشركة دي يا نادية.
قرب منها.
وعشان كده إنتِ أكتر واحدة عارفة كويس أنا هاخد منك إيه دلوقتي.
وشها وقع.
حاج محمود.
..
قاطَعها
من النهارده، مفيش حفلات للشركة بالنسبالك.
سكتت.
مفيش احتفالات سنوية.
مفيش مناسبات مع العملاء.
مفيش تمثيل للعيلة قدام الموظفين أو رجال الأعمال.
بدأت ملامح الرعب تظهر على وشها.
الحاج

ومش هيبقى ليكي أي رأي في تحديد مين يستلم الشركة بعدي.
نادية قالت بصوت مهزوز
إنت مش ممكن تعمل كده.
رد
إنتِ دهنتي سرير حفيدتك بالأسود لأنك شايفاها عار على إرث العيلة.
وأشار ناحية الأوضة.
يبقى إنتِ ملكيش حق تمثلي الإرث ده قدام حد.
نادية فضلت باصة له.
وبعدين سألت السؤال اللي وضح قد إيه القرار ده وجعها
أقول للناس إيه؟
الحاج محمود ملامحه متغيرتش.
قال
الحقيقة ممكن تكون بداية كويسة.
عينيها اتسعت.
إنت مش هتعمل فيا كده.
رد عليها
أنا مش هفضحك يا نادية.
اتنفست.
لكن كمل
وفي نفس الوقت… مش هكدب عشان أحميكي.
رجعت ملامحها تتجمد.
قال
أي حد يسألني ليه مبقتيش بتمثلي العيلة في مناسبات الشركة، هياخد إجابة حقيقية.
وده كان واضح إنه خوفها أكتر من خسارة الحفلات نفسها.
لأن نادية كانت بنت صورتها قدام الناس على مدار تلاتين سنة.
الست المثالية.
زوجة صاحب الشركة.
واجهة العيلة.
الست اللي كل الناس بتحترمها.
والآن…
لو حد سأل ليه اختفت، محدش هيخترع لها عذر.
أحمد
وقف جنبي.
وبص لأمه وقال
كده خلص كلام الشركة.
نادية بصتله.
قال
دلوقتي نتكلم عن عيلتي أنا.
سكت لحظة.
من النهارده، متدخليش بيتنا غير لما إحنا نعزمك.
ملامحها انهارت.
أحمد…
ومتخديش أي قرار يخص ليلى.
ومتشتريش حاجة بالنيابة عنها.
ومتتكلميش باسمنا.
وبعدين قال الجملة اللي خلتها تبدأ ترتعش
والأهم… مش هتفضلي موجودة في حياة بنتنا ومستنية اليوم اللي ييجي فيه حفيد ولد عشان تعامليه كأنه الطفل الحقيقي، وهي مجرد بنت جات بالغلط قبله.
نادية بصتلي.
كانت بتترعش.
وقالت بسرعة
أنا هصلح كل حاجة.
بصت ناحية السلم.
والله العظيم هصلح الأوضة بنفسي.
هرجع أدهن الحيطان.
وهجيب سرير جديد أحسن من القديم.
وهعمل أي حاجة إنتوا عايزينها.
قربت ليلى مني أكتر.
وقلت
الحيطان ممكن حد غيرك يصلحها.
نادية سكتت.
قلت
والسرير ممكن نجيب غيره.
بصيت في عينيها.
الحاجة اللي إنتِ محتاجة تصلحيها مش الأوضة.
إنتِ محتاجة تعرفي هل تقدري تبصي لحفيدتك وتحبيها زي ما هي…
من غير ما تتمني في سرك إنها كانت
ولد.
نادية عينيها اتمَلّت بالدموع.
قلت
ولحد ما تعرفي تعملي كده…
مش هترجعي حياتنا بالشروط اللي إنتِ عايزاها.
نادية معرفتش ترد.
وفي النهاية…
مشيت.
فضل أحمد واقف جنبي بعد ما الباب اتقفل وراها.
بصلي وقال
أنا آسف.
مردتش.
كمل
كان المفروض أوقفها من أول تعليق قالته وإنتِ حامل.
بصيتله وقلت
فعلًا.
هز راسه.
مجادلش.
مقالش أنا مكنتش أعرف.
ومطلبش مني أسامحه في اللحظة دي.
ومحاولش يخليني أنا اللي أهونه وأقوله إن مفيش مشكلة.
بص ناحية ليلى.
وقال
مش هكرر الغلطة دي تاني.
الحاج محمود فضل معانا فترة.
وللمفارقة…
الراجل اللي نادية كانت فاكرة إن وجود بنت هيهدد إرثه…
ساعد أحمد بنفسه يشيل سرير ليلى البايظ وينزله من البيت.
وفي الأسابيع اللي بعدها…
أحمد بدأ يصلح الأوضة.
رجع دهن الحيطان باللون الكريمي.
وجبنا ستاير جديدة.
وسرير جديد.
لكن كان فيه حاجة واحدة أصعب.
الورد الصغير اللي كنت رسمته بإيدي وأنا حامل.
أحمد قرر يحاول يرجعه.
جاب الألوان.
وقعد يقلد الرسومات من
الصور القديمة.
لكن أول كام وردة رسمهم…
كانوا بشعين.
بصيت عليهم.
وبصيتله.
ولأول مرة من يوم ما رجعت من المستشفى…
ضحكت.
ضحكت من قلبي.
أحمد نفسه ضحك وقال
خلاص، أمسح المصيبة دي وأجيب حد محترف يرسمهم.
قلتله
لأ.
استغرب.
قلت
سيبهم.
وفي الآخر، مخليناش كل الرسومات اللي عملها.
لكن احتفظنا بتلات وردات صغيرين معوجين جنب الشباك.
كانوا بعيد جدًا عن الورد الجميل اللي رسمته قبل الولادة.
لكن بالنسبالي…
كانوا أحلى.
كل يوم كنت بقعد على الكرسي جنب الشباك وأنا شايلة ليلى.
وأشوف التلات وردات دول.
وليلى تنام تحتهم بهدوء.
طفلة مطلوبة.
ومحبوبة.
مش لأنها الجيل الخامس.
ومش لأنها هتورث شركة.
ومش لأنها لازم تحقق حلم حد.
لكن لأنها هي ليلى.
زي ما هي بالظبط.
وساعتها فهمت أخيرًا إن إرث العيلة الحقيقي عمره ما كان اسم شركة بيتنقل من أب لابنه.
الإرث الحقيقي…
هو الحاجة اللي إحنا بنسيبها في قلوب ولادنا بعدنا.
وأول حاجة كان لازم بنتي تعرفها عن عيلتها…
إن مكانها فيها عمره
ما كان محتاج ولد يختفي عشان يبقى موجود.
اربط قرار الحاج محمود بالمشهد السابق
وحّد الراوي بين المؤنث والمذكر
خفف تكرار فكرة الوريث الذكر

2 من 2التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button