
نزلت على السلم بخطوات بطيئة ومنتظمة زي الآلة، وخرجت من باب العمارة.. لا هددت ولا اشتكت ولا حاجة. الهدوء ده بالذات هو اللي رعبنا، لأننا كنا متوقعين تدخل تصرخ، تخبط علينا، تستنجد بأمي.. بس هي خرجت وسابت البيت كأنها ما صدقت، أو كأن العلبة دي كانت القشة اللي قطمت كل حاجة بينهم.
عدت ساعات، والشمس غربت، وأخويا لسه مفيش أثر ليه.. تليفونه مقفول تماماً. أمي راحت وجات في الصالة ألف مرة وهي بتفرك في إيدها وتقولي: “يا مري يا فضيحتي.. لو أخوكي عرف إن العلبة دي من تحت رأسك هيقتلك! هو إيه السر اللي في العلبة الصفرا دي يخلي راجل يطلق مراته في ثانية من غير ما يسألها حتى؟!”.
أنا كنت ساكتة، لساني مربوط.. السر ده أنا بس اللي كنت عارفة أول خيط فيه، بس ما كنتش متخيلة إن نتيجته هتبقى بالبشاعة دي. العلبة دي ما كانتش مجرد حاجة عادية، العلبة دي كان أخويا جابها من سنتين وقفلها بنفسه وحطها في مكان أمان، وشرط شرط واحد بس بينه وبينها.. شرط لو اتكسر، يبقى كل حاجة انتهت.
على الساعة واحدة بعد نص الليل، سمعنا خطوة أخويا تقيلة على السلم.. خطوة واحد سكران من الهم، أو واحد طالع جبل شايله فوق كتافه. فتح باب شقته، ودخل، ورزع الباب.
أمي ما قدرتش تصبر، مسكتني من إيدي وقالتلي: “تعالي ندخل نهديه ونشوف فيه إيه، مش هينفع نسيبه كده بدل ما يعمل في نفسه حاجة”. دخلنا وراه الشقة.. الشقة كانت ضلمة كحل، وريحة السجاير مالية المكان بشكل يخنق.
لقيناه قاعد على الأرض في الصالة، ضامم ركبه لراسه، وبيهتز بخفة زي العيل الصغير. أمي قربت منه براحة وقالت بصوت واطي: “يا بني.. يا حبيبي، اهدي.. قولنا إيه اللي حصل؟ طمن قلبنا، هي عملت إيه للدرجة دي عشان ترمي عليها اليمين؟”.
رفع رأسه لينا.. العيون اللي كانت دايماً بتشع حنية، بقت عبارة عن كتلة من الدم والشرار. بصلي أنا بالذات، بصلة حسيت فيها إن روحي بتتسحب مني، وكأنه شايف الجريمة جوه عيني.
فجأة، وقف على حيله، وجاب العلبة الصفرا من على الأرض — أتاري فرحة سابتها على الترابيزة وما خدتهاش معاها زي ما افتكرت، هي خدت كيس تاني! — ومسك العلبة بين إيديه وهو بيترعش، وقال بصوت حشرجي ومبشوح:
“العلبة دي.. العلبة دي أنا كنت دافن فيها عمري كله.. كنت حاطط فيها الأمانة الوحيدة اللي أخدتها على نفسي عشان أحميها، وهي حطتها في دولابنا وكأنها بتغفلني؟!”.
أمي بلعت ريقها بالعافية وقالتله: “أمانة إيه يا بني؟ هي العلبة دي فيها إيه اصلاً؟!”.
أخويا فتح العلبة قدامنا وهو بينهج.. ولما بصينا جوه العلبة، ركبنا خبطت في بعض أكتر، والدم اتجمد في عروقنا! اللي كان جوه العلبة ما كانش سحر ولا ورق، ولا مجوهرات ولا فلوس.. اللي كان جوه العلبة خلي أمي تحط إيدها على بقها وتصرخ بصوت مكتوم، وأنا حسيت إن الأرض بتلف بيا وبتسحبني للغياب عن الوعي.
أخويا بص للعلبة، وبعدين بصلي وصصر على أسنانه وقال بصوت يرعب الحجر: “العلبة دي فرحة عمرها ما فتحتها ولا كانت تعرف طريقها.. العلبة دي كانت في خزنتي في المحل.. مين اللي جابها هنا وحطها في دولابي يا أمي؟ مين اللي كان عايز يخرب بيتي؟!”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
أمي بصتلي بذعر والأرض مش شايلانا، وأنا جسمي كله بقى ينتفض، اللسان اتعقد والدم ساب عروقي.. أخويا كان بيصرخ وهو ماسك الحاجة اللي جوه العلبة، حاجة ما حدش يعرفها غيره هو وفرحة والشخص اللي اتسبب في المأساة القديمة اللي العلبة دي كانت الشاهد الوحيد عليها!
اللي كان جوه العلبة كان “سلسلة دهب مكسورة فيها فص أحمر، وفلاشة صغيرة، وورقة مطوية مكتوبة بخط إيد”.. دي ما كانتش أمانة عادية، دي كانت “شرف” عيلة ثانية، وورقة التنازل والسر اللي أخويا مخبيه عن الدنيا كلها عشان يحمي فرحة من أهلها!
أخويا مسك الفلاشة والورقة بإيد بتترعش من الغضب، وبص لأمي وهو بيصيح بصوت هز جدران البيت: “العلبة دي أنا حاططها في الخزنة السرية في ورشتي من سنتين! الورقة دي فيها السر اللي لو حد قراها، أهل فرحة يقتلوها! أنا أقسمت على المصحف لما اتجوزتها إني أدفن السر ده وما أطلعوش أبدًا إلا لو هي خانت الأمانة أو العلبة دي ظهرت في بيتي.. ظهور العلبة دي في دولابنا معناه حاجة واحدة بس.. إن فرحة راحت ورشتي، فتحت الخزنة، وسرقت السر اللي بيحمي رقبتها عشان تخل بيه أو تهددني بيه!”.
أمي لطمت على صدرها وقالت بصوت ممرور: “يا مري يا فضيحتي! وهي تعمل كده ليه يا بني؟! دي البت كانت ماشية جنب الحيط!”.
صرخ فيها أخويا وهو بيضرب قبضة إيده في الحيطة لحد ما الدم سال منها: “أنا كمان كنت فاكرها ماشية جنب الحيط! بس لما لقيت العلبة في الدولاب، حسيت إنها بتطعنني في ضهري! حسيت إن كل الحب اللي حبيتوهولها كان لغرض، وإنها جايبة السر ده هنا عشان تلوى إيدي بيه.. عشان كده ما قدرتوش أستحمل، ما قدرتوش أسألها حتى! أول ما شفت العلبة في إيديها ووشها اصفر، تأكدت إنها هي اللي جابتها!”.
في اللحظة دي، أنا كنت واقفة ورا أمي، ركبي بتخبط في بعض، والسر المرعب بيأكل في بطني.. أنا اللي سرقت مفتاح الخزنة من جيب جيلكته الأسبوع اللي فات لما كان بايت عندنا! أنا اللي فتحت الخزنة في الورشة لما استغليت إنه نزّل بضاعة، وشفت العلبة الصفرا دي، وكنت فاكرة إن جواها دهب.. ما كنتش اعرف إن جواها سر يقطع الرقاب! أنا اللي أخدتها وحطيتها في الدولاب عشان أعمل مشكلة صغيرة وأخليه يشك فيها.. ما كنتش أعرف إني بحط حبل الإعدام حوالين رقبتها ورقبته!
أخويا مسك راسه بإيديه الاتنين وقعد على الكنبة يشهق زي العيل الصغير، دموعه نزلت على إيده المغطاة بالدم وهو بيقول: “أنا طردتها.. طردت الوحيدة اللي حبتها في حياتي، طردتها ورعبي كل أن أهلها يعرفوا إن السر اتكشف ويقتلوها.. أنا دمرت بيتي بإيدي!”.
أمي قعدت جنبه تحضنه وتبكي، وأنا واقفة زي الصنم، الشيطان بيوزني إني أسكت وأوفر نفسي، بس منظره وهو بيبكي بالدموع دي كان بيقطع في قلبي كأن بسكاكين.
وفجأة.. تليفون الشقة رن!
الصوت كان عالي ويرعب في هدوء الليل. أخويا قام زي المجنون ورفع السماعة، وسكت تمامًا.. ملامح وشها تحولت من الغضب والرعب لذهول وتجمد تام.
أنا وأمي قربنا منه بنسمع، وكان الصوت السابح من السماعة صوت راجل كبير، صوته جاف وقاسي زي الحجر.. كان أبو فرحة!
الراجل قال ببرود يجمّد الدم في العروق: “مساء الخير يا عريس.. فرحة بنتنا جت عندنا البيت من ساعة.. وجايبة معاها الشنطة اللي خرجت بيها من عندك، بس الغريبة إنها ما جابتش العلبة الصفرا معاها! هي فاكرة إنك لما tطلقها هنسيبها تعيش؟ فرحة أمانتها خلصت يا ابن الناس، وطالما طلقتها.. يبقى سر العلبة المكسورة فتح باب الدم بيننا وبينك، وتعالى استلم جثتها أو تعالى كمل السر اللي دفنته!”.
أخويا السماعة وقعت من إيده على الأرض، وبصلي وبص لأمي بكسرة عين تقتل.. وفجأة، سمعنا صوت خبط ورزع على باب الشقة بره، خبط جنوني كأن حد بيكسر الباب بالمطارق!
سقطت سماعة التليفون من إيد أخويا واتعفرت بالتراب، والصوت اللي جاي من ورا باب الشقة كان كأنه الموت نفسه بيكسر الخشب! الخبط كان متواصل، زئير مكتوم وشتائم بأصوات رجال كبار، أصوات ناس جاية تاخد تار أو تخلص حساب قديم!
أمي صرخت وحطت إيدها على بقها، وأنا جسمي اتسمر في الأرض ومقدرتش أتحرك خطوة واحدة.. الخوف شل حركتي تماماً.




