
ضحكة منى الصافية وهي واقفة على الحافة كانت زي خنجر أترشق في قلبي. الدنيا لفت بيا، والرؤية بدأت تسودّ، حسيت إن الهوا خلص من الرئة، وجسمي اتخشب تماماً، كأن في جبل مبني فوق صدري. تحت في الصالة، سمعت خطوات خديجة البطيئة وهي طالعة ورايا على السلم، وقفت على أول درجات ومسكت الدربزين، وبصتلي بمنتهى البرود، نبرة صوتها كانت أبرد من التلج وهي بتقول: “مالك واقفة مكانك ليه؟ البنت على الحافة يا هدى.. خطوة واحدة وهتنزل تجيبيهالنا من الشارع زي ما جبتيلي آدم!”
كلامها فايقني على كابوس ألعن من الفوبيا. لمحت رجلي منى الصغيرة بتتحرك، كانت بتميل بجسمها عشان تبص لتحت.. في اللحظة دي، الصريخ اتخنق في زوري، وعقلي اتلغى منه كل حاجة إلا صورة واحدة: منى وهي بتطير في الفراغ.
بدل ما أقف، رميت جسمي كله على السلم. اترسعت على بطني. غمضت عيني بأعلى قوة عندي عشان مشوفش الارتفاع ولا أشوف الفراغ اللي حواليا. صوابعي اتغرزت في إسمنت السلم الخشن، ضوافري اتكسرت والدم بدأ يسيل منها وأنا بجر جسمي زحف لفيوق. كنت بزحف على بطني وركبي بتتخبط في الدرج، الرعب كان بياكل جسمي وخلاني أتهز زي الفرخة المذبوحة، بس كنت بنهت وبصرخ بصوت مكتوم: “مش هتموت.. مش هسيبك تاخديها مني يا خديجة!”
خديجة كانت واقفة ورايا، صورتها بتهتز في عيني، وضحكت ضحكة مكسورة وفيها غل سنين: “ازحفي.. ازحفي كمان! وريني هتوصلولها إزاي وأنتي خايفة من حتة سلم! أنا ابني في ثانية وأنتي واقفة بتتفرجي عليه!”
جاهدت ونفضت صوتها من دماغي. صعدت آخر درجتين وأنا مغمضة عيني تماماً، أيديا بتلمس الأرض السخنة بتاعة السطح. فتحت عيني نص فتحة، لقيت منى على بعد متر واحد بس مني، كانت لسه واقفة على الحافة وبتمد إيدها للهوا فرحانة بالهوا اللي بيخبط فيها. اتكفيت على وشي وزحفت المتر ده في أسرع ثانية في حياتي، ومديت إيدي بكل القوة اللي فاضلة فيا، ومسكت طرف جيبتها الصغير وشديتها عليا بصرخة هزت أركان البيت.
سحبتها لحضني، ودحرجت جسمي بيا وببيها لورا.. بعيد تماماً عن السطح والحافة، لحد ما ظهرنا خبط في سور المطبخ المقفول. مسكتها وعصرتها في حضني، بقيت أبوس في وشها وشعرها وأنا بنهار في العياط ودموعي نازلة زي المطر على وشها الصغير. منى اتخضت من منظر صريخي وعياطي وبدأت تعيط هي كمان وتمسك في رقبتي.
في اللحظة دي، خديجة طلعت آخر السلم ووقفت فوق راسي. السطح كان ساكت، ومفيش غير صوت شهقاتي وصريخ منى. بصيت لخديجة وأنا بتهز من الخوف والتعَب، وشفت في عينيها مزيج يرعب من الغل، والخيبة.. كأنها كانت تتمنى تشوفني بتشل تاني والبنت تقع عشان ترتاح.
قومت بالعافية وأنا ماسكة بنتي في حضني ومتبتة فيها كأني زارعة صوابعي في هدومها، وقربت من خديجة خطوة ونبرة صوتي كانت بتترعش بس طالع منها غضب يهد جبال: “أنتي مجنونة؟! أنتي كنتِ هتقتلي بنتي عشان تنتقمي مني؟!”
خديجة متهزتش، قربت مني لحد ما وشها بقى قصاد وشي بالضبط، وعينيها احمرت من الكتمان، وقالتلي بصوت وطي أوي ومرعب: “أنا مكنتش هقتلها يا هدى.. أنا كنت عايزاكي تجربي الموت وأنتي عايشة، كنت عايزاكي تشوفي عيلك بين الحياة والموت ومتقدرش تعمليله حاجة عشان تحسي باللي حسيته يوم ما وقفتي بتتفرجي على آدم وهو بيموت!”
“أنا كان عندي فوبيا! أنا مكنتش أقدر أتحرك يا خديجة! والله العظيم جسمي كان متخشب!” صرخت فيها وأنا بدموعي.
ردت عليا بابتسامة مكسورة وبصت لمنى اللي حاضناني: “وأهو لما البنت كانت هتقع، زحفتي على بطنك وطلعتي.. يعني كنتِ تقدرِ تزحفي لآدم وتنقذيه! بس أنتي سبتيه يقع عشان هو مش ابنك!”
وقفت مذهولة من التفكير اللي سيطر على عقلها والغل اللي شوهها. خديجة لفت ظهرها ونزلت السلم ببطء وشفافية كأنها روح ماشية، وسابتني واقفة فوق السطح، بنتي في حضني بتبكي، وجسمي كله بيلنزف دم ورعب. عرفت في اللحظة دي إن البيت ده خلاص مبقاش ينفع للعيش، وإن الصراع بيني وبينها مش هيخلص، وأن اللعبة المريضة دي كانت مجرد بداية.
نزلت السلم وأنا ضامة منى لصدري بأعلى قوة عندي، ضهري كان لمرمى الفراغ وعيني مش فارقت الحيطة اللي ساندة عليها. كل خطوة كانت كابوس، رجلي بتترعش والدم المنهمر من ضوافري المكسورة يسيب أثر على حيطة السلم، بس الوجع الجسدي مكنتش حاسة بيه، كان عقلي كله محشور في الفكرة الوحيدة:
أنفذ بالبنت قبل ما خديجة تعمل أي حاجة تانية. أول ما كعب رجلي لمس أرضية الشقة، دخلت وجريت على الباب، قفلته بالمفتاح وحطيت الترباس، وسندت ضهري على الخشب وأنا بنهت بصوت عالي وجسمي كله بيتفض زي الورقة في مهب الريح.
حطيت منى على السرير، البنت كانت بتتصرخ وتعيط من منظر الدم اللي غرقان في إيديا وركبي، ومن هيستيريا العياط اللي كنت فيها. فتحت الدولاب بلهفة مجنونة، وبدأت أرمي الهدوم في شنطة السفر الكبيرة بغير ترتيب. لازم أمشي، لازم أهرب من البيت ده فوراً قبل ما حماتي ترجع، وقبل ما أي حد يوقفني. البيت ده خلاص مابقاش سكن، ده بقى مسرح لعملية انتقام مريضة.
وفجأة.. سمعت صوت تكة الباب. مفتاح بيلف في قفل بره.
اتسمرت مكاني، وعيني اتوسعت على الشنطة المفتوحة. الباب اتفتح ودخل سامح جوزي، كان راجع من شغله باين عليه التعب، بس أول ما خطى جوه وشاف المنظر—الهدوم المترامية على الأرض، الشنطة، الدم اللي مالي إيديا وركبي، ومنى اللي بتصرخ على السرير—وشه وألوانه اتغيرت.




