روايات وقصص

بنت زعيم المافيا

قال:

“ده أقل من التكلفة.”

قلت:

“أنا مش بسأل عن التكلفة.”

سكت.

“أم بتقبض الحد الأدنى وعندها طفلين مش هتعرف تدفع.”

“هنعمل منح.”

“منح بإثبات فقر؟”

“أيوه.”

قفلت الملف.

“لأ.”

رفع عينه.

“ليه؟”

“لأن الفقير مش لازم يقضي نص عمره يثبت إنه فقير عشان ابنه يتعلم موسيقى.”

سكت.

كملت:

“اعملوا نظام حسب الدخل.”

“مفيش طلبات مهينة.”

“مفيش مقالات تحكي أسوأ يوم في حياة الناس.”

“اللي يقدر يدفع عشرة يدفع عشرة.”

“واللي يقدر يدفع خمسين يدفع خمسين.”

“واللي مش قادر يدفع خالص، يدخل برضه.”

هارون فضل باصصلي.

قلت:

“إيه؟”

قال:

“كملي.”

ومن اليوم ده…

بدأ يسمع.

بعد فترة، مارا عرضت عليا شغل.

منسقة مشروع بلو ستار.

مرتب محترم.

تأمين.

ست شهور مبدئيًا.

بصيتلها.

“هارون هو اللي قالك؟”

“لأ.”

“قالك ما توظفينيش؟”

“أيوه.”

ضحكت.

“كويس.”

مارا ابتسمت.

“هو كان خايف إنك تفتكريها صدقة.”

“وأنا فعلًا كنت هفتكرها كده.”

“عشان كده عملنا لك مقابلة.”

دخلت المقابلة.

ما حدش اهتم إني أنقذت ليلى.

سألوني عن خبرتي.

قلت لهم:

“معنديش خبرة في المؤسسات.”

لكن عندي خبرة في الناس.

“عارفة يعني إيه أم معاها طفلين تستنى أتوبيس بالليل.”

“وعارفة يعني إيه عامل يخلص شغله متأخر ومفيش مواصلات.”

“وعارفة إن الناس اللي محتاجة مساعدة مش ناقصة حد يحسسها إنها أقل من غيرها.”

وفي الآخر…

اتقبلت.

مش لأن هارون فوزي ساعدني.

لكن لأني استحقّيت الفرصة.

بعد ست شهور…

مسرح ميريديان فتح أبوابه.

مش كله.

لكن مركز بلو ستار كان جاهز.

أكتر من مية أسرة سجلت أول أسبوع.

وفي يوم الافتتاح، كانت ليلى هي اللي ماسكة المقص.

لابسة فستان أصفر جميل.

والجزمتين في رجليها.

أنا شخصيًا اتأكدت.

قصت الشريط.

الناس سقفت.

مارا عيطت.

وتاشا، صاحبتي، قالت إنها مش بتعيط، دي بس عينها دخل فيها تراب.

وقفت قدام صورة أمي وسليا.

وتحت الصورة كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها:

“الحاجات ممكن تبوظ… وبرضه ممكن تتصلح.”

دي كانت الجملة اللي اخترتها.

من غير أسماء.

من غير تماثيل.

من غير كلام كبير.

بس الحقيقة.

بعد ما الناس مشيت، لقيت هارون قاعد في الصف التالت.

قعدت جنبه.

“إنت مستخبي؟”

قال:

“بتفرج.”

“يعني مستخبي.”

بص للمسرح.

“سليا كانت بتحب المكان ده.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“كنت فاكر إن فتح المسرح هيخليني أفتقدها أكتر.”

“وطلع؟”

“طلع إني كنت فاهم غلط.”

بصلي.

“الحزن مش معناه إننا نقفل الباب.”

بصيت قدامي.

“أمي كانت هتعجبها الجملة دي.”

“هي كانت بتقول حاجات كتير صح.”

“متأخر.”

“للأسف.”

ضحكت.

وبعدين سألني:

“سامحتيها؟”

بصيتله.

“أوقات.”

هز راسه.

“ينفع؟”

“أيوه.”

“وإنتِ؟”

“أنا إيه؟”

“سامحتيني؟”

ابتسمت.

“أوقات.”

ضحك.

“عادل.”

قبل ما أمشي، ليلى ظهرت فجأة.

“رنا!”

“نعم؟”

“بابا عايز يقولك حاجة.”

بصيت لهارون.

“إيه؟”

اتوتر.

ولأول مرة أشوف هارون فوزي مش عارف يقول كلام.

قال:

“كنت عايز أسألك…”

سكت.

“تخرجي معايا تشربي قهوة؟”

رفعت حاجبي.

“دي قهوة.”

“قهوة تانية.”

“يعني إيه؟”

“مش عن المسرح.”

“ولا عن ليلى.”

“ولا عن أمك.”

“ولا عن الشغل.”

“ولا عن الفلوس.”

بصيتله.

“طب هنتكلم في إيه؟”

قال:

“مش عارف.”

ضحكت.

“إنت مش عارف؟”

“بحاول أجرب حاجة جديدة.”

فكرت ثواني.

“قهوة واحدة.”

ابتسم.

“واحدة.”

“أنا اللي هختار المكان.”

“موافق.”

“من غير سواق.”

“موافق.”

“ومن غير ما تحجز قبلها.”

اتردد.

“هارون.”

“موافق.”

ابتسمت.

“خلاص.”

وفجأة…

ليلى صرخت من آخر الصالة:

“بابااااا! رنا وافقت!”

كل اللي في المكان بصوا علينا.

وشي احمر.

هارون بص لبنته.

“إزاي سمعتي؟”

قالت بمنتهى البراءة:

“المكان بيدوّي!”

مارا انفجرت في الضحك.

أنا غطيت وشي بإيدي.

وقلت:

“دي هتبقى كارثة.”

هارون ابتسم.

“أيوه.”

لكن المرة دي…

كانت ابتسامته حقيقية.

بالليل، بعد ما الكل مشي، رجعت أقف قدام النجمة الزرقا.

طلعت رسالة أمي من شنطتي.

فضلت أبص عليها شوية.

أمي كانت بتحبني.

وفي نفس الوقت…

وجعتني.

عملت حاجات صح.

وحاجات غلط.

وكانت شجاعة في حاجات…

وخايفة في حاجات تانية.

وكل ده كان ممكن يكون حقيقي في نفس الوقت.

لأول مرة فهمت إن المسامحة مش معناها إني أمسح الماضي.

الماضي هيفضل موجود.

بس مش لازم ياخد كل قراراتي.

قفلت الرسالة.

وحطيتها في شنطتي.

سمعت خطوات صغيرة ورايا.

ليلى.

وهارون وراها.

“إنتِ لسه هنا؟”

ليلى هزت راسها.

“نسيت الأرنب بتاعي.”

رفعت اللعبة في إيديها.

ضحكت.

“دي حالة طوارئ فعلًا.”

وقفت جنب النجمة.

وسألت:

“النجمة دي بتاعة مامتك؟

”
قلت:

“جزء منها.”

“ومامتي؟”

“جزء منها برضه.”

بصتلي.

“يعني دلوقتي بتاعتنا؟”

بصيت لهارون.

هو بصلي.

وبعدين بصيت للصالة الكبيرة.

للمكان اللي هيستقبل أطفال بكرة.

أطفال هيتعلموا.

ويلعبوا.

ويغلطوا.

ويصلحوا.

ويحاولوا تاني.

ابتسمت.

“أيوه.”

“أعتقد إنها بقت بتاعتنا.”

ليلى مسكت إيدي.

وبعدين مدت إيدها التانية لهارون.

ومشينا إحنا التلاتة ناحية باب المسرح.

من كام شهر بس…

كنت داخلة جراج مهجور عشان ألحق أوصل بيتي بعد ما فاتني الأتوبيس.

كنت فاكرة إن أسوأ حاجة في حياتي هي جواب الطرد اللي جوا شنطتي.

وكنت فاكرة إن الفقر معناه إني فشلت.

وكنت فاكرة إن سكوت أمي طول السنين معناه إني ما كنتش مهمة بالنسبة لها.

وكنت فاكرة إن هارون فوزي هو الراجل المخيف اللي كل الناس بتحكي عنه.

طلع إني كنت غلطانة في حاجات.

وصح في حاجات تانية.

الحياة ما بقتش سهلة فجأة.

لسه بحسب فلوسي.

لسه بقلق.

لسه بغلط.

هارون لسه بيعصبني.

مارا لسه بتتدخل.

وتاشا لسه فاكرة إني مديونة لها بـ14 دولار.

وليلى لسه مقتنعة إن أربع معالق بان كيك يعتبروا فطار كامل.

بس اتعلمت حاجة.

الحياة ممكن تبوظ.

الخطط ممكن تفشل.

والناس ممكن تخذل بعض.

والأبواب ممكن تتقفل.

وممكن تلاقي نفسك في أبرد وأخوف مكان في حياتك…

من غير ما تكون مخطط لكده.

لكن…

الحاجة اللي باظت ممكن تتصلح.

مش بسهولة.

ومش دايمًا.

لكن ممكن.

وأحيانًا…

الباب اللي بيفتح لك حياة جديدة…

مش بيكون فلوس.

ولا حظ.

ولا راجل غني.

أحيانًا بيكون…

طفلة عندها ست سنين، بتسلمك موبايلها وهي بتموت، وتثق فيكي كفاية عشان تقولك:

“كلمي بابا.”

ومن اللحظة دي…

حياتي كلها اتغيرت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button