عام

عيد ميلاد حماتى

حماتي طلبت منى تعمل عيد ميلادها الستين في بيتنا. وفي نص الحفلة، طلبت مني أطلع أقعد فوق عشان، على حد كلامها، أنا بضايق ضيوفها.
وافقت وطلعت فعلًا…
بس هي ما كانش عندها أي فكرة أنا ناوية أعمل إيه بعدها.
اسمي منة، عندي 38 سنة، ومتجوزة كريم بقالنا تسع سنين.
أنا وحماتي، طنط نوال، كانت علاقتنا طول عمرها كويسة.
آه، كانت ساعات بتحب تفرض رأيها وتتحكم شوية، لكني كنت عارفة إنها بتحب عيلتها، وعشان كده كنت بعدّي لها حاجات كتير.
من تلات سنين، جوزها توفى.
ومن وقتها، طنط نوال بطلت تعمل التجمعات والعزومات الكبيرة اللي كانت بتحبها زمان.
قبل وفاة جوزها، كانت أي مناسبة بالنسبة لها لازم تتحول لعزومة كبيرة؛ أكل وناس وضحك ولمّة.
لكن بعد وفاته، اتغيرت.
وعشان كده، لما قرب عيد ميلادها الستين وطلبت مني نعمل الحفلة في جنينة بيتنا، فرحت جدًا إنها أخيرًا حابة تحتفل وترجع تعمل حاجة من الحاجات اللي كانت بتحبها.
قالت لي
مش هنعمل حاجة كبيرة يا منة… عشرين واحد بالكتير.
قلت لها من غير تردد
طبعًا يا طنط نوال، البيت بيتك.
ولمدة أسبوعين كاملين، فضلنا نجهز للحفلة سوا.
طلبت لها التورتة اللي بتحبها مخصوص.
نضفت البيت كله.
رتبت الجنينة.
وحتى أخدت يوم الجمعة إجازة من شغلي عشان أفضى تمامًا للتجهيزات.
كنت فعلًا عايزة اليوم يطلع حلو.
لكن قبل الحفلة بيوم واحد، بدأت ألاحظ إن تصرفات طنط نوال اتغيرت.
فجأة بقت بتتعامل مع بيتنا كأنها مأجرة قاعة أفراح، مش جاية تعمل عيد ميلادها في بيت ابنها ومراته.
بدأت تنتقد كل حاجة.
بصت على أثاث الجنينة وقالت
الكراسي دي شكلها مش حلو خالص للحفلة.
وبعدين بدأت تطلب حاجات زيادة ما اتفقناش عليها أصلًا.
وكل شوية
محتاجين ترابيزة هنا.
الزرع ده يتحط الناحية التانية.
الإضاءة دي مش مناسبة.
المكان ده لازم يتغير.
وفي نفس الليلة، وأنا ماشية في البيت، دخلت الصالة ولقيتها بتحرك الأثاث!

 

وقفت أبصلها باستغراب وقلت
طنط نوال… حضرتك بتعملي إيه؟
ردت بكل بساطة
بحاول بس أخلي كل حاجة شكلها حلو بكرة.
بصيت حواليّا.
دي صالتي.
وده أثاث بيتي.
وهي بتحركه من غير حتى ما تسألني.
لكن قلت لنفسي
يوم وهيعدّي.
ما كنتش عايزة أعمل مشكلة قبل عيد ميلادها بساعات.
لكن اللي حصل تاني يوم الصبح خلاني أعرف إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد تغيير مكان كنبة أو كرسي.
صحيت بدري عشان أكمل التجهيزات.
وفجأة لقيت ناس داخلة البيت.
سألت
مين دول؟
طلعوا ناس من شركة تجهيز أكل!
كاترينج كامل.
وقبل ما أستوعب، وصل DJ بأجهزة صوت وسماعات.
وبعده عربية بدأت تنزل عشرات الكراسي.
وقفت مصدومة.
روحت لطنط نوال وقلت
طنط نوال… إيه كل ده؟ حضرتك قلتي عشرين واحد.
قالت بمنتهى البرود
أصل الخطط اتغيرت.
بصيت لها وقلت
اتغيرت إزاي؟ كام واحد جاي؟
ما ردتش.
وبصت بعيد.
كررت سؤالي
طنط نوال… كام واحد معزوم؟
وبعد لف ودوران، عرفت الرقم.
حوالي تمانين شخص!
تمانين!
مش عشرين.
تمانين بني آدم داخلين بيتي، وأنا صاحبة البيت آخر واحدة تعرف!
كنت متعصبة جدًا.
وحقيقي كان نفسي أوقف كل حاجة في اللحظة دي.
لكن المشكلة إن الضيوف كانوا بدأوا يوصلوا بالفعل.
عربيات بتقف قدام البيت.
ناس داخلة.
هدايا.
أصوات وضحك.
والموسيقى بدأت.
بصيت للمشهد كله وأنا مش مصدقة إن ده بيحصل في بيتي من غير ما أعرف.
لكن قلت لنفسي إني مش هبوظ عيد ميلاد ستين سنة، خصوصًا بعد أسبوعين كاملين قضيتهم وأنا بساعد في تحضيره.
بلعت غضبي.
وقررت أعدّي الليلة على قد ما أقدر من غير خناقات ولا فضايح.
وبالفعل، بدأت أساعد.
مرة أستقبل ناس.
مرة أشوف الأكل.
مرة أجيب مشروبات.
مرة أتأكد إن الحمامات نضيفة.
كنت بجري في بيتي عشان ضيوف حماتي يبقوا مبسوطين.
لحد ما دخلت الصالة.
ووقفت مكاني.
بصيت ناحية الحيطة.
وبعدين ناحية المكتبة.
وبعدين فوق الكومود.
صورنا اختفت.
كل الصور اللي كانت
موجودة ليا أنا وكريم وأولادنا… مش موجودة.
صورة فرحنا.
صور الأولاد.
صور عائلية لينا.
كلها اتشالت.
وفي مكانها؟
صور متبروازه لطنط نوال!
صورة ليها وهي صغيرة.
صورة ليها في مناسبة.
صورة ليها مع أصحابها.
صورة ليها لوحدها.
كأن البيت كله بقى معرض صور شخصي ليها.
فضلت ثواني واقفة مش مستوعبة.
وبعدين دورت عليها.
لقيتها واقفة وسط مجموعة من أصحابها بتضحك.
قربت منها وقلت
طنط نوال، ممكن أسألك سؤال؟
قالت
طبعًا.
قلت وأنا بحاول أتحكم في صوتي
صورنا راحت فين؟
قالت
صور إيه؟
قلت
صوري أنا وكريم والأولاد. صور البيت اللي كانت موجودة في الصالة.
ضحكت.
وقالت
شلتهم مؤقتًا.
قلت
ليه؟
ضحكت أكتر وقالت قدام اللي واقفين
يا منة، ده عيد ميلادي أنا. محدش جاي النهارده يتفرج على صور فرحك.
اتنين من الستات اللي واقفين جنبها سمعوا كلامها…
وضحكوا.
حسيت وشي سخن من الإحراج.
لكن تماسكت وقلت
طنط نوال… ده برضه بيتي.
بصت لي بابتسامة باردة وقالت
ممكن بس ليلة واحدة ما نخليش كل حاجة تتمحور حواليكي؟
سكت المكان حوالينا للحظة.
كام واحد من الضيوف لفوا وبصوا علينا.
وأنا فضلت واقفة مكاني مش مصدقة.
أنا اللي بخلي كل حاجة تتمحور حواليا؟
بعد ما فتحت بيتي؟
بعد أسبوعين تجهيز؟
بعد ما أخدت إجازة من شغلي؟
بعد ما وافقت على حفلة عشرين شخص وفوجئت بتمانين؟
وبعد ما شالت صور عيلتي من بيتي وحطت صورها مكانها؟
كنت ممكن أرد.
وكان عندي كلام كتير جدًا أقوله.
لكن مرة تانية، قررت أعدّي الموقف.
قلت لنفسي
خلاص يا منة… كام ساعة والحفلة تخلص.
ورجعت أساعد.
فضلت ألف بين المطبخ والجنينة والصالة.
وفي مرة كنت شايلة صينية عليها مشروبات ورايحة للناس اللي بره…
طنط نوال وقفتني.
وكان حواليها مجموعة كبيرة من أصحابها.
قالت بصوت هادي
منة يا حبيبتي…
وقفت.
نعم؟
قالت
ممكن تسيبينا براحتنا شوية؟
بصيت لها باستغراب.
يعني إيه؟
قالت
أصل في شوية ضيوف
مش مرتاحين.
سكت.
قالت
إنتِ طول الوقت بتلفي وتشيكي على كل حاجة كأنك مش واثقة في الناس.
وبعدين ابتسمت وقالت
فممكن مثلًا تطلعي فوق شوية وتريحي؟
بصيت حواليّا.
واحدة من صاحباتها بصت في الأرض من الإحراج.
واحدة تانية عملت نفسها مش سامعة.
وأنا…
كنت مش مصدقة اللي بيتقال لي.
في بيتي.
أنا فتحت بيتي عشان تعمل عيد ميلادها.
أنا قضيت أسبوعين بحضر للحفلة.
أنا بخدم ضيوف عددهم أربع أضعاف العدد اللي اتفقنا عليه.
وهي دلوقتي، قدام أصحابها…
بتطلب مني أطلع أقعد فوق في أوضتي لأن وجودي مضايق ضيوفها!
في اللحظة دي، الغريب إني ما اتعصبتش.
بالعكس.
هدّيت جدًا.
وبصيت لها.
وبعدين ابتسمت.
قلت
طبعًا يا طنط نوال.
وشها ارتاح فورًا.
واضح إنها كانت متوقعة إني أعترض أو أعمل مشكلة.
لكن لما وافقت، ابتسامتها كبرت.
وقالت
شكرًا يا حبيبتي، كنت عارفة إنك هتفهمي.
حطيت صينية المشروبات على أقرب ترابيزة.
ولفيت.
وطلعت السلم.
من غير كلمة واحدة.
سمعت الموسيقى ورايا.
وضحك الناس.
وصوت طنط نوال وهي رجعت تتكلم مع أصحابها وكأنها انتصرت.
دخلت أوضتي فوق وقفلت الباب.
لكن أنا ما طلعتش عشان أستخبى.
وما طلعتش عشان أعيط.
وما طلعتش عشان أقعد مستنية ضيوفها يمشوا.
أنا طول اليوم كنت بحاول بكل الطرق إني ما أفسدش عيد ميلادها.
بلعت موضوع ال ضيف.
وعدّيت موضوع الأثاث.
وسكتّ لما شالت صور عيلتي من الصالة.
وسكتّ لما أهانتني قدام أصحابها.
وحتى لما طلبت مني أختفي من بيتي أنا…
وافقت.
طنط نوال كانت أخيرًا ادتني سبب كفاية إني أبطل أحاول أحافظ على حفلتها.
وقفت في الأوضة كام دقيقة أفكر.
وبعدين عرفت بالظبط أنا هعمل إيه.
وعرفت كمان إني مش هصرخ.
ومش هتشاجر معاها.
ومش هطلب من أي حد يمشي.
كل اللي عملته إني نفذت اللي هي طلبته مني بالحرف.
وبعد شوية…
نزلت من فوق.
الموسيقى كانت لسه شغالة.
الناس بتضحك.
والحفلة في عزها.
وطنط نوال كانت واقفة
وسط أصحابها، مبتسمة وسعيدة، وكأن البيت بقى ملكها فعلًا.
لكن لما شافتني نازلة…
ابتسامتها بدأت تختفي.
ولما عملت اللي كنت مقررة أعمله قدام ضيوفها كلهم…
ابتسامة طنط نوال اختفت تمامًا من على وشها.
شدّت طنط نوال ملامحها، وبصت

السابق1 من 3
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button