بعد ست ساعات فقط من فرحنا، وبعد ما بقيت رسميًا مرات ياسين، كنت نايمة جنبه في أوضة الفندق، وفجأة سمعته بيهمس باسم ست تانية… بس مش أي ست، دي كانت أختي الصغيرة «نورهان»!
كنت فاكرة إن سماع اسم أختي في أوضة جوازنا هو أسوأ حاجة ممكن تحصل في أول ليلة ليا كزوجة، لكن قبل ما الشمس تطلع، ياسين وراني قد إيه هو قلقان من اللي ممكن أكتشفه.
اسمي منار، واليوم اللي ياسين استهان بيا فيه، كان هو نفس اليوم اللي بدأ فيه يهدم حياته بإيده.
«نورهان…»
كلمة واحدة.
اسم أختي.
إيد ياسين كانت لسه حوالين وسطي، ودبلة جوازه الجديدة كانت باردة على جلدي، وفجأة جسمه كله اتشد كأنه اتفاجئ بحاجة غير متوقعة.
بصيت له وقلت: «إنت قلت إيه دلوقتي؟»
ملامحه اتغيرت في لحظة.
ماكانش شكله مكسوف.
كان قلقان.
قال بصوت هادي ومحسوب: «منار… اللي إنتي سمعتيه ده ماحصلش.»
اتجمدت مكاني، خصوصًا إنه ما سألنيش حتى أنا سمعت إيه.
يعني هو كان عارف بالظبط أنا سمعت إيه!
قلت له: «أنا سمعتك.»
رد بسرعة: «لا يا حبيبتي، إنتي ما سمعتيش حاجة.»
قرب مني وحاول يطمنني: «إنتي تعبانة من يوم طويل، والفرح كان مرهق، وأكيد أعصابك مشدودة… يمكن نص نايمة ومش مركزة.»
بصيت له في عينه وقلت: «أنا سمعت اسم أختي.»
للحظة، لمعة غريبة عدت في عينه.
وبعدها رجع لنفس الهدوء المعتاد.
قال: «منار… أنا اتجوزتك النهارده.»
وبدأ يفكرني بالفرح الكبير اللي كان لسه مخلص، والقاعة اللي كانت مليانة أهلنا وصحابنا، ورجال الأعمال اللي شغالين معاه، وكل الناس اللي شافتنا وإحنا بنعلن جوازنا قدامهم.
كان بيتكلم كأن وجود مئات الناس في فرحنا، وشهادتهم على جوازنا، دليل إن مستحيل يكون فيه حاجة مخفية.
زمان… كنت ممكن أصدقه.
زمان كنت ممكن أعتذر له وأقول له إني ظلمته وشكيت فيه من غير سبب.
لكن المرة دي، اكتفيت إني قلت له: «نام يا ياسين.»
فضل باصص لي شوية، وكأنه مستني دموع أو خناقة أو اتهامات، حاجة يقدر بعدين يستخدمها ضدي ويقول إني كنت متوترة ومش مركزة.
لكن أنا ما اديتوش أي حاجة.
في الآخر ابتسم، وباسني على جبيني وقال: «لما تصحي الصبح هتكوني غير دلوقتي.»
الجملة دي خوفتني أكتر من أي عصبية كان ممكن يبديها.
لأنه قالها بثقة غريبة.
كأنه متأكد إن الصبح هيخليني أرجع تاني لمنار اللي هو عارف يسيطر عليها.
استنيت لحد ما نفسه بقى منتظم، واتأكدت إنه نام، وبعدها قمت بهدوء ودخلت الحمام وقفلت الباب ورايا.
وهناك… افتكرت الراجل الغريب.
قبل كتب كتابنا بساعات، وأنا في القاعة، كان فيه راجل طويل وقفني في ممر بعيد عن الناس.
كان شكله في الأربعينات تقريبًا، وعينيه لونها فاتح، وملامحه ماكانتش مألوفة بالنسبالي.
بص لي وقال: «إنتي ماتعرفينيش، بس لازم تاخدي بالك الليلة دي.»
وقبل ما أسأله هو مين، عينه راحت من فوق كتفي.
ناحية ياسين.
وبعدين قال: «ركزي كويس في الكلام اللي هيقوله لما يفتكر إن مافيش حد مهم بيسمعه.»
وقتها افتكرته واحد من المعازيم الغريبين، ويمكن يكون حد من معارف العريس.
وما اهتمتش بكلامه.
لكن دلوقتي…
إيدي بدأت تترعش.
أول حاجة فكرت فيها كانت إني أكلم نورهان.
فتحت اسمها على موبايلي، وفضلت أبص لكلمة «نورهان» على الشاشة.
لكن إيدي وقفت قبل ما أضغط اتصال.
لأني لو كنت غلطانة، مجرد اتهام واحد ممكن يضر علاقتي بأختي.
ولو كنت صح…
اتصالي بيها ممكن يخليها تعرف إني بدأت أشك، وساعتها أي حد له علاقة بالموضوع ممكن ياخد احتياطاته.
قفلت شاشة الاتصال، وفتحت محادثاتنا القديمة بدلًا من كده.
وبدأت أدور.
لحد ما ظهر اسم ياسين قدامي أكتر من مرة.
معظم الكلام كان عادي جدًا.
رسائل ممكن أي حد يقرأها وما يشكش في حاجة.
لكن كان فيه كلام تاني… كلام واقف في المنطقة الرمادية.
منطقة تقدر فيها الخيانة تختبي ورا أعذار منطقية، وكل جملة ليها تفسير بريء لو حد سأل عنها.
فضلت أقلب في الرسائل وأنا بحاول أربط الأحداث ببعض.
وبعدين فتحت صور الفرح.
لقيت صورة من حفلة الخطوبة العائلية اللي عملناها قبل الفرح بيومين.
الصورة خلت نفسي يتقطع.
ياسين كان واقف جنب البار في القاعة.
ونورهان كانت واقفة على بعد خطوات منه.
ماكانوش بيلمسوا بعض.
حتى ماكانوش باصين لبعض.
لكن الاتنين كانوا واقفين بزاوية غريبة…
كأن كل واحد فيهم متعمد يبعد عن التاني.
كأنهم مركزين جدًا إنهم يبانوا قدام الناس إن مافيش بينهم أي علاقة.
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة.
لا.
أنا مش محتاجة إحساس.
ولا تخمين.
أنا محتاجة حقايق.
لما رجعت لأوضة النوم، لقيت ياسين نايم.
موبايله كان محطوط على الكومودينو جنب السرير.
طول التلات سنين اللي فاتوا، عمري ما فتحت موبايله.
ولا مرة.
كنت بثق فيه.
أو على الأقل… كنت فاكرة إني بثق فيه.
مديت إيدي وخدت الموبايل.
الشاشة نورت قدام وشي.
دخلت الرقم السري اللي كان بيستخدمه بقاله سنتين.
خطأ.
قلبي بدأ يدق أسرع.
جربت تاني.
خطأ.
وقتها حسيت إن دماغي كلها فاقت مرة واحدة.
هو غيّر الرقم السري؟
وإمتى؟
وليه؟
وفجأة…
سمعت حركة ورايا.
الملاية اتحركت.
وصوت ياسين جه من ورا ضهري: «منار؟»
اتلفت ببطء.
ياسين ماكانش باصص لي.
كان باصص للموبايل اللي في إيدي.
وساعتها شفت حاجة عمري ما شفتها في عينه طول التلات سنين اللي عرفتهم فيهم.
الراجل الهادي الواثق اللي قضى سنين يخليني أشك في نفسي…
كان قلقان جدًا.
وقبل حتى ما ينطق، فهمت حاجة واحدة أكيدة:
أيًا كان السر اللي جوزي الجديد مخبيه عني…
فهو كان خايف إني أكون على بُعد ثواني من إني أكتشفه.
والأسوأ من كده…
إن إحساسي وقتها قالي إن اسم نورهان اللي همس بيه وهو نايم، ماكانش غلطة لسان.
كان بداية لحقيقة أخطر بكتير مما كنت متخيلة…
القصة طويلة ومش هتنفع تتحط كلها في الكابشن ❤️
لو عايزة تعرفي باقي الحكاية، اكتبي «تم» 👇👇
والقصة كاملة هتكون في أول تعليق.
المشهد في أوضة الفندق كان نقاش مكتوم، من النوع اللي بيهز البيوت قبل ما تبدأ.
ياسين اتعدل في قعدته على السرير، الهدوء المصطنع اللي كان لابسه طول الليل بدأ يتشقق، وعينيه فضلت متعلقة بالموبايل اللي في إيدي. حاول يبتسم، بس الابتسامة طلعت مشوشة وغريبة.
«إنتي بتعملي إيه بالموبايل يا منار؟»… صوته كان حذر، طالع بثقل كأنه بيحسب كل حرف.
رديت بنبرة أهدى مما كنت أتوقع من نفسي، بثبات واضح: «كنت بشوف الساعة… بس بالمرة، هو إنت غيرت الباسورد إمتى يا ياسين؟»
قرب مني ببطء، ومد إيده عشان ياخد الموبايل من غير ما يبان إنه بيطلبه بإصرار: «أنا مغيرتوش ولا حاجة، إنتي بس اللي أكيد كتبتي الرقم غلط عشان تعبانة. هاتي يا حبيبتي الموبايل، نامي واستريحي، اليوم كان طويل وسفرنا بكره الصبح.»
مسكت الموبايل بقوة أكبر وما اديتهولوش. بصيت له في عينه وقلت: «أنا كاتبة نفس الرقم اللي حافظاه من سنتين. بس مش مشكلة… افتحه إنت قدامي دلوقتي.»
اللحظة دي كانت اللحظة اللي القلق فيها تحول لتوتر واضح. ملامح ياسين اتغيرت، مسك معصم إيدي بإصرار، وقال بنبرة فيها تحذير: «منار… إحنا بقالنا كام ساعة بس متجوزين، بلاش تبدأي حياتنا بالشكل ده. الشك والمراقبة دول بيخربوا أي بيت. إنتي عاوزة إيه بالظبط؟ عاوزة توصلي لإيه؟»
قلت له بصوت واطي بس يخترق الهدوء: «عاوزة أعرف نورهان مالها ومالك؟ وعاووزة أعرف السر اللي يخلي واحد زيك يغير الباسورد ويقلق لمجرد إن الموبايل في إيدي!»
سحب الموبايل مني هذه المرة وأخذه، وقام من مكانه في الأوضة. حطه في جيبه وبدأ يتحرك بتوتر. «نورهان؟! إنتي لسه ماسكة في التخاريف دي؟ دي أختك الصغيرة يا منار! إنتي اتغيرتي؟ عاوزة تعملي قصة وحكاية من ولا حاجة عشان تظهري إنك مظلومة؟»
في اللحظة دي بالذات، كلام الراجل الغريب اللي قابلته في القاعة رن في ودني زي الجرس: «ركزي كويس في الكلام اللي هيقوله لما يفتكر إن مافيش حد مهم بيسمعه.»
ياسين كان بيتكلم بطريقة هدفها حاجة واحدة بس: يخليني أشك في عقلي. اللعبة القديمة بتاعته، بس المرة دي ما جابتش نتيجة.
سكتت خالص. ما اتعصبتش، ما عيطتش، وما دخلتش معاه في مجادلة. وقفت وقربت من دولاب الهدوم، فتحته وسحبت شنطتي الصغيرة اللي فيها أوراقي الشخصية وفلوسي.
ياسين استغرب ثباتي، والقلق رجع لعينه تاني: «إنتي بتعملي إيه؟»
«مش هجادلك يا ياسين، ولاني هصرخ ولا هعمل مشكلة في الفندق. إنت فاكر إنك بتلعب معايا، بس الحقيقة إنك قلقان. قلقان عشان عارف إن فيه حاجة مستخبية.»
وفجأة، موبايل ياسين رن في جيبه.
رنة واحدة… وتوقف.
وبعدها وصلت رسالة.
إيد ياسين راحت على جيبه من غير ما يحس، وحركة جسمه كشفت كل حاجة. شاشة الموبايل نورت، ورغم إنه حاول يخبيه بسرعة، الإشعار ظهر على الشاشة القريبة مني.
ماكانش اسم نورهان.
كان رقم مش متسجل عنده، بس أول السطر في الإشعار كان واضح:
«خلصت معاها؟ لازم نتكلم دلوقتي، الموضوع بقى خطر.»
ياسين بص لي، وجسمه اتجمد تمامًا.
بصيت له بنظرة فهمت بيها حجم المفاجأة، وقلت له بصوت هادي:
«الصبح طلع يا ياسين… وما طلعتش منار اللي كنت فاكر إنك هتعرف تسيطر عليها.»
فتحت باب الأوضة وخرجت للممر، وأنا عارفة إن دي مش نهاية حكايتي معاه… دي كانت مجرد بداية للمواجهة اللي هو نفسه بدأها.
مشيت في ممر الفندق والهدوء حواليا كان خنيق. صوت خطوات كعبي على السجادة التقيلة كان الحبل الوحيد اللي رابطني بالحقيقة، وسط موقف كنت فاكرة إني بصحى منه، لكن اكتشفت إني لسه جواه.
سمعت صوت باب الأوضة بيتفتح ورايا بسرعة، وصوت ياسين وهو بيكتم توتره بيهمس بصوت عالي: «منار! ارجعي هنا فورًا… إنتي اتغيرتي؟ رايحة فين في وقت زي ده؟»
ما التفتّش. كملت مشي بثبات لحد ما وصلت للأسانسير وضغطت على الزرار.
لحقني قبل ما الأسانسير يفتح، مسك دراعي بقوة، بس نبرة صوته المرة دي ماكانتش تهديد… كانت توسل وقلق: «منار، أرجوكي… الناس في الفندق لو شافوكي طالعة بالمنظر ده هتحصل مشكلة. الفجر بيأذن، ينفع نطّلع خلافاتنا بره من أول ليلة؟»
بصيت لإيده المسكوكة على دراعي، وبعدين بصيت في عينيه وقلت بنبرة أبرد من التلج: «سيب إيدي يا ياسين. عشان لو ما سبتهاش حالًا، الصوت اللي قلقان منه هيسمعه الفندق كله من أول دور لآخر دور.»
إيده اترخت ببطء. عينيه كانت بتتنقل بين وشي وبين باب الأسانسير اللي اتفتح.
ركبت وسبته واقف في الممر، ملامحه متلخبطة بين الغضب والعجز. وبمجرد ما الباب اتقفل بيني وبينه، حسيت بنغزة في صدري… أنفاسي كانت متقطعة، ودموعي اللي حبستها طول الليل بدأت تنزل بسكوت.
نزلت للريسبشن، وقعدت في ركن بعيد عن الأنظار. فتحت شنطتي وطلعت موبايلي. الساعة كانت دخلت على 5 الصبح.
الرسالة اللي شفتها على موبايله كانت بتطاردني: «خلصت معاها؟ لازم نتكلم دلوقتي، الموضوع بقى خطر.»
مين اللي بيكلمه؟ وليه اسم نورهان كان أول حاجة تطلع من لسانه وهو نايم؟
مسكت الموبايل، وفتحت الشات بيني وبين نورهان. أختي الصغيرة… اللي مربياها على إيدي. البنت اللي كنت بشوف فيها البراءة كلها. افتكرت نظراتها في حفل الخطوبة لما كانت واقفة بعيد عن ياسين، الزاوية الغريبة، والمكالمات المفاجئة اللي كانت بتتقطع أول ما أدخل الأوضة.
كنت محتاجة دليل. مش مجرد شكوك.
فتحت شات قديم مع الراجل الوحيد اللي كان ممكن يفيدني في اللحظة دي… «أحمد»، ابن خالتي، وشغال في شركة اتصالات. أحمد كان دائمًا شخص هادي، وبيفهم في التكنولوجيا والتفاصيل اللي استثقلت أفهمها زمان.
بعت له رسالة قصيرة: «أحمد، آسفة إني بكلمك في وقت زي ده. محتاجة مساعدتك ضروري جدًا أول ما تصحى. الموضوع مهم جدًا.»
ما مرتش دقيقتين، ولقيت موبايلي بيرن. أحمد كان صاحي.
«منار؟ خير يا بنتي في إيه؟ إنتي مش المفروض في الفندق؟ فيه حاجة حصلت مع ياسين؟»… صوته كان مليان قلق.
أخدت نفس عميق وقلت له بصوت مكسور بس مصمم: «أحمد… أنا مش هقدر أحكي كتير دلوقتي. بس أنا محتاجة أعرف رقم معين باسم مين، ومحتاجة أعرف تفاصيل المكالمات الأخيرة لرقم ياسين لو ينفع… أنا خرجت من الفندق ومش راجعة.»
السكوت خيم على الخط لثواني. أحمد استوعب إن الموضوع مش خلاف عادي.
قال بجدية حاسمة: «إنتي فين دلوقتي بالظبط؟»
«أنا في لوبي الفندق.»
«خمسة وعشرين دقيقة وأكون عندك. أوعي تتحركي من مكانك، ولا ترجعي الأوضة تحت أي ظرف. فاهمة يا منار؟»
«فاهمة.»
قفلت معاه، ورجعت بضهري على الكنبة. في اللحظة دي، شاشة موبايلي نورت باتصال جديد.
المرة دي ماكانش ياسين.
كان الرقم اللي شفته في إشعار موبايل ياسين من شوية! الرقم الغريب هو اللي بيتصل بيا أنا دلوقتي!
قلبي دق بسرعة. صباعي كان بيترعش وهو بيتحرك عشان يرد.
فتحت السبيكر، وما نطقتش ولا كلمة.
جه الصوت من الناحية التانية… صوت حريمي واطي، ومجروح، وبيهمس بتوتر:
«منار… لو إنتي اللي رديتي، اطلعي من الفندق فورًا. ياسين مش هو الشخص اللي إنتي فاكراه، والجوازة دي ماكانتش عشانك إنتي… الجوازة دي كانت عشان يوصل لأبوكي!»
الصوت ماكانش غريب عليا.
الصوت ده أنا حافظاه كويس جدًا…
تفتكروا الصوت ده كان صوت مين؟ وهل نورهان فعلًا كانت بتخبي عني حاجة ولا فيه لعبة أكبر بكتير ماشية من ورا ضهر الكل؟
الصوت ده… كان صوت نورهان!
نفس النبرة، بس كانت مهزوزة ومكسورة بطريقة عمرها ما كانت عليها قبل كده.
اتجمدت في مكاني، والدهشة سيطرت عليا. اللحظة اللي كنت قلقة منها جت، بس الجملة اللي قالتها خلت كل الأفكار اللي في دماغي تتقلب رأسًا على عقب.
«نورهان؟!»… نطقت اسمها بصوت واطي ومجهد.
سكتت لحظة من الناحية التانية، وصوت أنفاسها المكتومة كان باين، وبعدين قالت بسرعة وهي بتعيط: «منار… أرجوكي اسمعيني. أنا عارفة إنك مفكرة إني خذلتك، وعارفة إنك سمعتيه أو شفتي حاجات تشككك فيا. بس والله العظيم يا منار أنا كان معمول عليا ضغط ما يتخيلوش عقل!»
«ضغط إيه يا نورهان؟»… سألتها بحزم ودموعي بتتحبس، «ياسين كان بيلف ويدور حواليكي ليه؟ وليه بيهمس باسمك وهو نايم جنبي في أول ليلة لينا؟ وليه بتقولي إن الجوازة دي عشان بابا؟»
«عشان ياسين مش جاي يتجوزك يا منار… ياسين جاي ينتقم!»
الجملة نزلت عليا كأنها مفاجأة كبيرة.
كملت نورهان بكلام متلخبط وسريع كأنها بتحاول تلحق الوقت: «منار، الراجل اللي قابلتيه في الفرح… الراجل الطويل اللي عينيه فاتحة؟ ده مش واحد من المعازيم. ده شريك ياسين القديم اللي ياسين خدعه وخرجه من الشركة. الراجل ده جه يربك ياسين في الفرح. ياسين مديون بملايين، ومصنع بابا والعقود اللي باسم بابا هي الحافة الوحيدة اللي هتنقذه من أزمته المالية! هو استغلك واستغل حبك ليه عشان يوصل لإمضاء بابا على أوراق الشراكة الجديدة.»
مسكت الموبايل بإيد بتترعش وقلت لها: «وانتي يا نورهان؟ موقعك إيه من اللعبة دي كلها؟ الرسائل اللي بينكم؟ وقفته جنبك في الخطوبة؟»
نورهان صوتها شهق من البكاء: «ياسين ضغط عليا… من تلات أسابيع، جاب لي صور ومحادثات مفبركة وكان بيضغط عليا إنه هيوريها لبابا ولخطيبك السابق لو ما ساعدتوش يخلي بابا يوقع على الورق من غير ما يراجع المحامي. أنا كنت خايفة، وماكنتش عارفة أقولك إزاي وأنا شايفاكي فرحانة بيه… بس لما شفتك بتضيعي ليلة الفرح، ماقدرتش أسكت. أنا اللي بعت له الرسالة من خط تاني عشان أشغله وأخليه يرتبك، كنت عاوزاه يتلخبط عشان تكتشفيه قبل ما يوقع بابا الصبح!»
قبل ما أرد عليها، حسيت بخطوات تقيلة وقريبة جدًا في اللوبي.
رفعت رأسي… لقيت ياسين نازل من الأسانسير، لابس هدومه وبيجري عينيه في المكان لحد ما لمحني قاعد في الركن.
ملامحه ماكانتش ملامح العريس العاشق ولا الراجل الهادي اللي عرفته سنتين… كانت ملامح شخص اكتشف إن أسراره ظهرت، وعارف إن كل حاجة بين إيديه بتضيع.
نورهان كانت لسه على الخط بتقول بسرعة: «منار! أحمد ابن خالتنا وصل بره؟ اطلعي له فورًا، ياسين مش هيسيبك تمشي ومعاكي الموبايل أو تفهمي بابا حاجة!»
قفلت الخط مع نورهان، وقفت وحطيت الموبايل في شنطتي، وبصيت لياسين وهو بيقرب مني بخطوات سريعة ومليانة توتر.
وصل قدامي، ومسك دراعي بإصرار، وقال بصوت واطي ومستفز: «تمثيلية الهروب دي خلصت يا منار… هترجعي معايا الأوضة فورًا، وإلا العواقب مش هتعجبك ولا هتعجب أختك ولا باباكي.»
بصيت له بنظرة حادة ما شافهاش مني قبل كده، وقلت له: «العواقب دي إنت اللي هتتحملها يا ياسين… بص وراك.»
التفت ياسين وراه… لقى أحمد ابن خالتي داخل من باب الفندق، ومعاه اتنين من رجال أمن الفندق اللي أحمد طلبهم وهو داخل بعد ما شاف توتر الموقف.
ياسين وقف مكانه، وإيده سابت دراعي ببطء.
قرب أحمد وهو باصص لياسين بنظرة حادة، وقال بثبات: «سيبها يا ياسين… الحكاية اتكشفت، وبابا منار والمحامي مستنيينا في البيت دلوقتي.»
الراجل اللي كان فاكر إنه مسيطر على اللعبة كلها، وقف في نص اللوبي وهو بيشوف كل خططه بتنهار قدام عينيه في أول ساعات من الصبح.
بس يا ترى هل ياسين هيستسلم بسهولة، ولا الشراكة والأوراق اللي معاه فيها مفاجأة ثانية هتغير مصير العيلة كلها؟
ياسين بص لأحمد ولرجال الأمن، وبعدين رجع بص لي بنفس الابتسامة اللي بيحاول يداري بيها خيبته.
«فاكرين إنها بالبساطة دي؟»… قالها وهو بيمد إيده في جيبه وبيطلع مظروف أبيض مقفول، «أبوكي يا منار أوراقه كلها عندي من أسبوع. البصمة والتوقيع على عقود الشراكة والتنازل عن إدارة المصنع اتعملوا من قبل الفرح بيومين… يعني اللعبة خلصت قبل ما تبدأ.»
أحمد قرب خطوة بثقة وقفت ياسين في مكانه: «الورق اللي في إيدك ده ملوش قيمة يا ياسين. لأن العقد اللي أخدت توقيع عمي عليه كان مشروط بموافقة مجلس الإدارة… ومجلس الإدارة هو منار ونورهان، والأهم إن التوكيل اللي كنت فاكر إنك ساحبه، اتلغى رسميًا من امبارح الضهر.»
ملامح ياسين اتغيرت في ثانية. الثقة الزائفة اختفت تمامًا، والورق اللي في إيده بدأ يترعش.
كُنت واقفة بتفرج عليه وهو بيكتشف إن كل خطة رسمها، وكل كلمة حاسبها، وكل لحظة حاول فيها يخليني أشك في عقلي… كل ده انهار في لحظة واحدة.
«إنتي… إنتي كنتي عارفة؟»… سألني بصوت مكسور ومصدوم.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينيه بثبات مشوب بوجع مكتوم: «أنا ماكنتش عارفة يا ياسين… بس أنا مش ساذجة عشان تخليني أشك في نفسي. اسم نورهان اللي نطقته، والرسالة اللي جت لك، والراجل اللي وقفني في الفرح… كل دي كانت إشارات، وإنت بنفسك اللي دليتني على الخيط.»
التفتّ لأحمد وقلت له: «يلا يا أحمد… بابانا مستنينا.»
مشيت وأنا سايبة ياسين واقف في نص اللوبي، بين رجال الأمن اللي بيطلبوا منه يغادر الفندق بهدوء، وبين الورق اللي بقى مجرد أوراق من غير قيمة.
خرجت للهوا النقي بره الفندق، والشمس كانت بدأت تطلع وتكسر ضلمة الليل.
نورهان كانت مستنيانا جوه عربية أحمد. أول ما شافتني، نزلت تجري ودموعها نازلة، حضنتني بقوة وهي بتعتذر وبتبكي: «سامحيني يا منار… أنا آسفة إني خبيت عليكي، بس كنت خايفة.»
مسكت وشها بإيدي وقلت لها: «المهم إنك فوقتي في الوقت المناسب يا نورهان… والمهم إننا مع بعض.»
رجعت البيت، واليوم اللي ياسين افتكر إنه هيكون بداية سيطرته عليا وعلى عيلتي، كان هو اليوم اللي اتقفلت فيه صفحته للأبد. بدأنا الإجراءات القانونية اللازمة، واستعدنا كل أوراق المصنع.
أما أنا… فاتعلمت درس عمري ما هنساه: إن الصوت اللي جوايا لازم أسمعه، وإن اللي يحاول يخليكي تشكي في عقلك وحقيقة اللي بتشوفيه… هو أول شخص لازم تعيدي التفكير في وجوده داخل حياتك.
مرت شهور على الليلة دي… شهور كانت كفيلة إنها ترمم كل حاجة اتكسرت جوانا، وتُبني من جديد القوة اللي ياسين افتكر إنه يقدر يهدمها.
القضايا في المحكمة مشيت بشكل أسرع مما توقعنا. أوراق الاحتيال والضغوط اللي قدمها أحمد والمحامي، مع شهادة الشريك القديم اللي ظهر في الفرح، خلت موقفه القانوني في غاية الصعوبة. إجراءات الانفصال تمت، وأوراق المصنع ورجوع الحقوق لبابا اتثبتت بحكم المحكمة.
ياسين ما خسرش بس المصنع والفلوس اللي كان بيحلم بيها… خسر مكانته وشغله وسمعته وسط السوق والناس اللي كان بيحاول يظهر أمامهم بصورة مختلفة في الفرح. الأزمات المالية حاصرته من كل اتجاه، وبعض الشركاء اللي كان بيتعامل معاهم دخلوا في نزاعات قانونية معاه.
أما أنا ونورهان… فاللي حصل كشف لنا إن قوة العيلة مش في إننا ما نغلطش، لكن في إننا نقف جنب بعض لما الدنيا تضلم. نورهان رجعت لدراستها بقلب أهدى، وبقت أقرب ليا من أي وقت فات. وبابا، لما عرف بالحقيقة كاملة، أدرك إن بناته مش مجرد أسماء في عقود، لكنهم السند الحقيقي اللي يسنده.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي المترتب في المصنع—المكتب اللي كان ياسين بيحلم يقعد عليه—وصلتني رسالة من رقم غريب:
«أنا آسف يا منار… أنا خسرت كل حاجة.»
بصيت للرسالة لثواني. ما حسيتش بغل، ولا بكسرة، ولا حتى برغبة في الانتقام.
حسيت بشفقة صغيرة على إنسان اختار الخداع وسيلة، فكانت النتيجة إنه خسر الكثير قبل ما يخسر غيره.
مسحت الرسالة، وعملت للرقم حظر، وحطيت الموبايل على المكتب.
رفعت رأسي وشفت الشمس مالية الأوضة من الشباك الكبير. وابتسمت…
لأن النهار لما بيطلع، ما بيمسحش بس الضلمة، ده بيكشف الحقايق… وبيفكرنا دايمًا إن البدايات الجديدة بتولد من قلب أصعب اللحظات.




