
قال:
“دلوقتي هتعرفي ليه أمك عاشت وماتت وهي خايفة إن السر ده يقع في إيد غلط.”
قلت:
“أنا مش هفتحه هنا.”
قال:
“لو خرجتي بيه من البيت، مش هتعرفي الحقيقة أبدًا.”
دينا وقفت بيني وبينه وقالت:
“إنت طول عمرك بتكدب علينا.”
ضحك وقال:
“وأبوكي كان ملاك يعني؟”
دينا اتعصبت:
“ما تجيبش سيرة أبويا!”
رد عليها:
“أبوكي كان أول واحد حاول يبيع الدليل.”
سكتت.
أنا بصيت لها.
قلت:
“إيه اللي بيحصل؟”
قالت:
“أنا معرفش.”
الرجل قال:
“هقولك.”
وقعد على كرسي قديم.
وقال:
“سنة 1989، أبو دينا وأمك وأخوكي كانوا شركاء في المخبز. الفلوس بدأت تختفي. أبو دينا اتهم أخوكي. أخوكي اتهم أبو دينا. وأمك كانت الوحيدة اللي عارفة إن الاتنين بيكدبوا.”
قلت:
“طب الفلوس راحت فين؟”
قال:
“أبو دينا كان بيحول جزء من الأرباح لحساب تاني.”
دينا شهقت:
“مستحيل.”
قال:
“مش مستحيل. أمك اكتشفت كل حاجة.”
طلعت من الصندوق دفتر حسابات قديم.
صفحات صفراء.
أرقام.
تواريخ.
إيصالات.
وفي آخر الصفحات…
توقيعات.
كان توقيع أبو دينا واضح.
قلت:
“يعني أمي كانت بريئة.”
قال:
“أيوه.”
دينا بدأت تبكي.
قالت:
“أبويا كان السبب؟”
الرجل هز راسه.
“أبوكي كان السبب.”
دينا مسكت دموعها وقالت:
“طب ليه أمي ما قالتش الحقيقة؟”
قال:
“عشان أبوكي هددها.”
أنا بصيت للدفتر.
قلت:
“هددها بإيه؟”
الرجل سكت.
وبعدين قال:
“بأخوكي.”
اتجمدت.
“يعني إيه؟”
قال:
“أخوكي كان وقتها شاب صغير، وأبو دينا كان عنده علاقات وفلوس، وكان قادر يلبسه قضية ما يعملهاش.”
فهمت فجأة.
أمي ما كانتش بتخبي السر عشان تحمي نفسها.
كانت بتحمي ابنيها.
كانت مستعدة تشيل الظلم كله…
عشان ولادها ما يتأذوش.
قعدت على الأرض.
وضميت الدفتر لصدرى.
وقلت:
“ليه ما قالتليش؟”
الرجل قال:
“لأنها كانت عايزة السر يفضل مدفون.”
قلت:
“طب إنت ليه طلعت الموضوع دلوقتي؟”
بص لي وقال:
“أنا ابن أبو دينا.”
دينا صرخت:
“إنت قلت إنك أخويا!”
ضحك.
وقال:
“أنا أخوكي فعلًا… بس مش ابن أمك.”
دينا وقفت مصدومة.
“يعني إيه؟”
قال:
“أبوكي كان متجوز أمي قبل ما يتجوز أمك. وأنا كنت من الزوجة الأولى.”
بصيت لدينا.
كان واضح إنها أول مرة تسمع الكلام ده.
قال:
“بعد موت أبويا، لقيت أوراقه. وعرفت إن فيه دفتر ناقص. فضلت أدور عليه سنين.”
قلت:
“وعرفت إنه عند أمي.”
قال:
“أيوه.”
قلت:
“وعرفت إن المفتاح في العجان.”
قال:
“أيوه.”
سألته:
“طب ليه ما سرقتش العجان من زمان؟”
ابتسم وقال:
“لأن أمك كانت أذكى مني.”
سكت.
وبعدين قال:
“كانت كل ما أزوركم، تقولي العجان ده غالي عندي ومحدش يلمسه.”
ابتسمت وسط دموعي.
أمي كانت عارفة.
كانت عارفة إن حد هيدور وراها.
عشان كده خلت الحاجة اللي فيها الدليل تبقى أغلى حاجة عندي.
عشان ما أبيعهاش.
ما أرميهاش.
وما أديهاش لحد.
لكن اللي حصل كان أغرب.
بصيت لدينا.
قلت:
“إنتِ كنتِ عارفة؟”
قالت:
“لا.”
قلت:
“بس إنتِ خدتي العجان.”
قالت:
“أنا كنت عايزة أوصل للحقيقة.”
بصيت لها بغضب.
قلت:
“الحقيقة مش بتتجاب بالتخريب.”
سكتت.
قلت:
“إنتِ أذيتي أكتر حاجة أمي سابتها لي.”
دموعها نزلت.
وقالت:
“أنا آسفة.”
أول مرة أسمع منها الكلمة دي.
بعد كل الحاجات.
بعد السلم.
بعد ماكينة الضغط.
بعد الحلة.
بعد الصينية.
بعد العجان.
أخيرًا قالت:
“أنا آسفة.”
لكن الدرس الحقيقي ما كانش في الصندوق.
ولا في الدفتر.
ولا في الفلوس.
كان في حاجة أكبر.
رجعت البيت قبل الفجر.
حطيت العجان على الترابيزة.
وقعدت أنضفه بنفسي.
بنتي كانت واقفة جنبي.
قالت:
“ماما… هو تيتة كانت تعرف كل ده؟”
قلت:
“أيوه.”
قالت:
“طب ليه ما قالتلكيش؟”
بصيت لصورة أمي المعلقة على الحيطة.
وقلت:
“عشان كانت عايزة تعيش حياتي من غير خوف.”
في الصبح، دينا خبطت على الباب.
فتحت.
كانت شايلة كل الحاجات اللي كانت استلفتها مني.
السلم.
الصينية.
الحلة.
ماكينة البخار.
كل حاجة.
كانت مغسولة ومتوضبة.
وحطتهم قدام الباب.
قالت:
“أنا مش جاية أطلب حاجة.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“أنا جاية أرجعلك حاجتك.”
بصيت للحاجات.
وقلت:
“والعجان؟”
قالت:
“هصلحه.”
قلت:
“لأ.”
قالت:
“ليه؟”
قلت:
“لأنك مش هتدفعي تمن اللي حصل بفلوس.”
سكتت.
قلت:
“هتدفعيه بحاجة أصعب.”
بصت لي.
قلت:
“كل مرة تحتاجي حاجة بعد كده، هتتعلمي تسألي قبل ما تاخدي.”
هزت راسها.
وقالت:
“موافقه.”
وبعدين مشيت.
أنا دخلت.
بنتي قالت:
“إنتِ سامحتيها؟”
بصيت لها وقلت:
“المسامحة حاجة… والثقة حاجة تانية.”
قعدت قدام العجان.
شغلته.
الموتور اشتغل بصوت هادي.
نفس الصوت القديم.
نفس الصوت اللي سمعته وأنا طفلة.
حطيت الدقيق.
وبدأت أعجن.
وبينما العجان شغال…
وقعت من داخله ورقة صغيرة.
مسكتها.
فتحتها.
وكان مكتوب بخط أمي:
“يا بنتي، لو وصلتي للورقة دي، يبقى السر خرج للنور. وافتكري حاجة واحدة… الناس ممكن تستلف منك فلوس، أو حاجة، أو حتى وقتك، لكن ما تسمحيش لحد يستلف كرامتك.”
فضلت ماسكة الورقة ودموعي بتنزل.
لأن أمي، حتى بعد ما ماتت بسنين…
كانت لسه بتعلمني.
وفي اليوم ده فهمت إن أغلى حاجة ورثتها من أمي ما كانتش العجان.
ولا الفلوس.
ولا الصندوق.
كانت كلمة “لأ”.
الكلمة اللي اتأخرت 36 سنة.
لكن لما قلتها أخيرًا…
حياتي كلها اتغيرت.
ومن يومها، أي حد يخبط على بابي ويقول:
“ممكن تستلفيلي حاجة؟”
ببتسم وبقول بكل هدوء:
“آسفة… الحاجة دي مش للإعارة.”
ولو زعل…
يزعل.
لأني أخيرًا فهمت إن الحفاظ على حاجتي مش قسوة…
القسوة الحقيقية إني أفضل أسمح لحد يهين ذكرياتي ويكسر حدودي، بس عشان أخاف أقول له لأ.
أما دينا؟
فبقالها شهور ما استلفتش مني حاجة.
لكن كل يوم جمعة، لما ريحة الكيكة تطلع من بيتها، بتخبط على بابي وتقول:
“تحبي أجيبلك حتة؟”
وأنا أضحك وأقول:
“آه… دي المرة دي إنتِ اللي هتعيري.”
فتضحك وتقول:
“حاضر يا ست أم العجان.”
وساعتها أبص لصورة أمي وأقول:
“شايفة يا أمي؟ العجان لسه شغال.”
والدرس اللي علّمتيني إياه… اشتغل هو كمان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



