
، وماعيطتش، وماسألتش أي واحد فيهم عملوا كده ليه.
أنا بس خرجت من الأوضة بهدوء، وروحت ناحية الجزامة اللي جنب باب الشقة، وخدت الشومة اللي كانت متعلقة هناك، ورجعت تاني.
لحد النهارده، وبعد تلات سنين، لسه فاكرة شكل الرعب اللي ظهر على وشهم أول ما شافوني داخلة عليهم.
اسمي مريم عبدالسلام، واللي حصل الليلة دي كلفني تلات سنين من عمري.
ولما بوابة السجن اتفتحت أخيرًا وخرجت، كان شهر مارس، والجو لسه فيه نسمات باردة بتاعة آخر الشتا وأول الربيع.
وقفت بره البوابة أخد نفسي، وأنا مش مصدقة إني أخيرًا حرة.
رفعت عيني لقيت عربية واقفة على الناحية التانية من الطريق، وقدامها راجل ماسك بوكيه ورد عباد الشمس ضخم لدرجة إنه كان مغطي نص جسمه.
أول ما شافني، عينيه احمرت، ومشي ناحيتي بخطوات مترددة.
قال بصوت مبحوح:
“مريم…”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“أنا استنيتك كتير.”
ومد إيده بالورد ناحيتي.
“تعالي معايا… نروح بيتنا.”
الكلمتين دول هزوا حاجة جوايا عمري ما كنت متخيلة إنها لسه موجودة.
بس علشان تفهموا ليه كلامه كان ممكن يكسرني بالشكل ده، لازم نرجع لورا…
لـ17 ديسمبر 2021.
اليوم اللي كان المفروض يبقى تالت عيد جواز ليا أنا وجوزي كريم.
من الصبح، كنت في الشركة بتاعتي براجع حسابات السنة، ولحسن الحظ واحد من أكبر العملاء حوّل الدفعة بدري، فاضطريت ألغي اجتماع كان مقرر بعد الضهر.
وقتها افتكرت كريم.
بقاله حوالي ست شهور وهو كل شوية يتكلم عن ساعة غالية شافها وعجبته، وكل مرة كان بيقولها كأنه بيهزر:
“دي لو كانت معايا في إيدي هبقى مبسوط أوي.”
فقررت أعمله مفاجأة.
بعد ما خلصت شغلي، روحت مول كبير في مدينة نصر، ودخلت محل ساعات فخم، واشتريتله الساعة اللي كان نفسه فيها.
وأنا بدفع، البنت اللي في المحل بصت لخاتم جوازي وقالت بابتسامة:
“دي هدية مناسبة عيد جواز؟”
ابتسمت وقلت:
“أيوه… تالت سنة النهارده.”
خرجت من المحل وأنا مبسوطة بشكل غريب.
وفي الطريق وأنا راجعة، وقفت عند محل ورد في مصر الجديدة، وفضلت أفكر أجيبله ورد كمان ولا لأ.
كنت حاسة إني أسعد واحدة في الدنيا.
وده أكتر جزء بيوجعني لما أفتكره.
إني كنت سعيدة فعلًا…
وماكنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة حياتي كلها هتتقلب.
وصلت البيت قبل معادي المعتاد، وطلعت السلم بهدوء علشان أعمله مفاجأة.
فتحت باب الشقة بالمفتاح من غير ما أعمل صوت.
الشقة كانت ضلمة.
في الأول افتكرت إن كريم لسه بره.
حطيت علبة الساعة على الترابيزة، وفضلت أنادي عليه بصوت واطي:
“كريم؟”
مفيش رد.
وقبل ما أتحرك، سمعت صوت جاي من ناحية أوضة النوم.
وقفت مكاني.
جسمي كله اتشد.
قلبي بدأ يدق بسرعة، رغم إني لسه مش فاهمة في إيه.
يمكن عقلي ماكانش مستوعب…
بس إحساسي كان عارف.
مشيت ناحية الأوضة.
الباب كان موارب.
قربت منه…
وبصيت.
وفي اللحظة دي، حسيت كأن الدنيا كلها وقفت.
كريم كان جوه.
في أوضتنا.
ومعه…
نهى.
أقرب واحدة ليا.
صاحبتي من أيام المدرسة.
الست اللي كنت بعتبرها أختي.
الست اللي كانت واقفة جنبي يوم فرحي، وكانت ماسكة إيدي وبتعيط وبتقولي:
“إنتي مش صاحبتي وبس يا مريم… إنتي أختي.”
أنا اللي وقفت جنبها لما مشروعها خسر.
وأنا اللي ساعدتها في مصاريف علاج أبوها لما دخل المستشفى.
وعمري ما حسيت إني عملت معاها حاجة تستاهل الشكر.
لكنها كانت واقفة دلوقتي قدامي…
في أوضتي…
مع جوزي.
نهى شافتني الأول.
شهقت وقامت تشد الملاية عليها بسرعة.
“مريم؟!”
أما كريم، فبدل ما يقوم مرعوب أو يحاول يعتذر، رفع راسه وبصلي بضيق.
وقال:
“إنتي مش قولتي إن عندك اجتماع لحد العصر؟”
الجملة دي كانت أقسى من اللي شوفته بعيني.
هو ماكانش مصدوم إني اكتشفت خيانته.
هو كان متضايق إني رجعت بدري…
وضبطته.
في اللحظة دي، كل حاجة جوايا سكتت.
لا صريخ.
لا عياط.
حتى دموعي اختفت.
لفيت وشي وخرجت من الأوضة.
مشيت لحد مدخل الشقة.
جنب الجزامة كانت الشومة متعلقة في مكانها.
وقفت قدامها ثواني.
مديت إيدي وخدتها.
ومن ورايا سمعت كريم بيقول بصوت متوتر:
“البسي هدومك بسرعة… هي شكلها فقدت عقلها.”
رجعت ناحية الأوضة.
نهى كانت بتحاول تلبس هدومها وإيديها بتترعش.
أول ما شافت الشومة في إيدي، وشها اصفر.
قربت مني وهي بتعيط:
“مريم بالله عليكي… اسمعيني بس.”
وبعدين قالت الجملة اللي وجعتني أكتر من أي حاجة:
“إحنا أخوات… سيبيني أشرحلك.”
أخوات؟
في ثانية واحدة، افتكرت كل حاجة.
افتكرت أيام المدرسة وإحنا بناكل ساندوتشات من نفس الكيس.
افتكرت فلوس كنت بسلفهالها لما كانت ظروفها صعبة.
افتكرت أبوها وهو في المستشفى، وأنا واقفة جنبها وبطمنها.
افتكرت يوم فرحي…
وهي حضناني وبتعيط، وبتوعدني إني هفضل أهم واحدة في حياتها.
بصيتلها فترة طويلة.
وبعدين وقفت قدامها مباشرة.
رفعت الشومة.
نهى صرخت:
“مريم… لأ!”
اللي حصل بعدها ماخدش غير كام دقيقة…
لكن الدقايق دي غيرت حياتنا إحنا التلاتة للأبد.
لما نزلت إيدي أخيرًا، كان كريم بيصرخ باسمي، ونهى واقعة على الأرض، وأنا واقفة مش قادرة أصدق اللي حصل.
في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة…
إن حياتي القديمة انتهت.
وإن مفيش أي طريق أقدر أرجع منه وأعيش كأن حاجة ماحصلتش.
بصيت للتليفون اللي كان واقع على الترابيزة.
مديت إيدي وخدته بنفسي.
واتصلت بالشرطة.
قلت لهم عنواني بالتفصيل.
ولما الموظف سألني:
“إيه اللي حصل؟”
بصيت لكريم ونهى.
للشخصين اللي دمروا جوايا كل حاجة كنت مصدقاها عن الحب والصداقة والأمان.
وقلت بصوت هادي لدرجة إني أنا نفسي خفت منه:
“أنا مستنياكم… ابعتوا الشرطة.”
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
إن اللي حصل في الشقة دي ماكانش نهاية الحكاية.
ده كان أول خيط في سر أكبر بكتير…
سر هعرف حقيقته بعد سنين، وهيخليني أسأل نفسي سؤال واحد:
هو أنا فعلًا خسرت تلات سنين من عمري بسبب اللي حصل في الليلة دي؟
ولا كان في حد تاني هو اللي رتب لكل حاجة من البداية؟


